عارف العبد يكتب عن الرئاسة في لبنان و اتفاق بكين بين الكمائن والرهائن

اتفاق بكين بين الكمائن والرهائن
رأي – عارف العبد – المدن

فيما يتابع العالم عودة التواصل الإيجابي في العلاقات السعودية الإيرانية نحو الإطار الطبيعي وبشكل متواصل، تنفيذاً لاتفاق الرعاية والمصالحة الثلاثي، الذي تم في بكين بين المملكة العربية السعودية وإيران، في السادس من آذار الماضي، انشدت الأنظار وبشكل غير متوقع نحو حدثين اثنين خلال الأيام الماضية.

الأول، وتمثل بالإعلان الأميركي عن فرض عقوبات على الأخوين تيدي وريمون رحمة وكيانات يملكانها، بتهم الفساد العام. وذلك بموجب أمر تنفيذي من أجل “دعم العمليات والمؤسسات الديمقراطية في لبنان”، حسب الزعم الأميركي!

اتهمت وزارة الخزانة الأميركية، وفق ما جاء في موقعها الإلكتروني، تيدي وريمون رحمة باستخدام “ثرواتهما وقوتهما ونفوذهما للانخراط في ممارسات فاسدة تسهم في انهيار حكم القانون في لبنان”، مضيفة أنهما استخدما “إمبراطوريتهما التجارية وعلاقاتهما السياسية لإثراء نفسيهما على حساب” الشعب اللبناني.

وزارة الخارجية الأميركية، عادت وللعجب، وأوضحت عبر بيانات ومصادر متعددة أن هذه الإجراءات، ضد الأخوين رحمة لا علاقة لها بالانتخابات الرئاسية اللبنانية!

وكانت السلطات الأميركية قد ربطت بين نشاط الأخوين رحمة وعلاقتهما بقضية الفيول المغشوش لصالح شركة كهرباء لبنان.

إزاء هذا الحدث المثير، طرحت مجموعة من الأسئلة والاستفهامات أمام الرأي العام والمهتمين والمتابعين.

هل أن مؤسسة كهرباء لبنان غير الموجودة أصلاً، هي التي طلبت المساعدة من وزارة الخزانة الأميركية؟ أم أن الحكومة اللبنانية هي التي تقف خلف تحريك المؤسسات الأميركية؟!

ما من تفسير أو ربط بين هذا الفعل الأميركي، إلا حدث ومصادفة واحدة لا غير، وهي تزامن هذا الإجراء مع عودة المرشح إلى رئاسة الجمهورية المدعوم من حزب الله وحركة امل، زعيم تيار المردة سليمان فرنجية من باريس.

أمضى فرنجية في العاصمة الفرنسية بضعة أيام تخللتها جولة وزيارة ليست بالقصيرة تنقل خلالها بين أكثر من دائرة فرنسية وموقع، للبحث في ترشحه وبرنامجه وتوجهاته الرئاسية، حيث عقد أكثر من اجتماع مع مسؤولين فرنسيين ومستشارين ومعنيين في ملف لبنان والرئاسة فيه (ترددت معلومات عن مصافحة على الواقف مع ماكرون) وتردد أن فرنسا تسعى لإيصال فرنجية إلى الرئاسة سعياً خلف صفقة متكاملة (اثنين بواحد) مع إيران والعربية السعودية، حيث طرحت صيغة متكاملة تأتي بموجبها برئيس الجمهورية ورئيس الحكومة مع بعضهما البعض رزمة واحدة.

المعلومات التي انتشرت عن المحادثات، أفادت بعدم نجاح هذا الطرح. إذ انه لم يُستسغ من المعنيين الدوليين والإقليميين، وعلى وجه الخصوص من العربية السعودية.

العنصر الجديد والمثير تمثل في أنه بمجرد أن عاد فرنجية إلى لبنان صدرت العقوبات الأميركية، مستهدفة الأخوين رحمة. وهما رغم علاقاتهما الموسعة والمنتشرة مع أغلب الأطراف السياسية في لبنان، إلا انهما يعتبران الأقرب والأحب إلى قلب زعيم تيار المردة، الموعود بالرئاسة من قبل حلفاء إيران وسوريا.

الحدث الثاني الذي استرعى الانتباه أيضاً تمثل بالتلويح بإعادة تمثيل مسرحية “فتح لند” في جنوب لبنان عبر “سكتش” قصير وسريع في أهزوجة وحدة الساحات. حيث نصبت حركة حماس بتوجيه من ضيف حارة حريك، الحاج إسماعيل هنية رزمة من الصواريخ البلاستيكية المرتجعة و”المفوفشة”، في منطقة القليلة قرب مدينة صور وصوبتها، باتجاه الأراضي المحتلة جنوباً والمرسمة حدودها المائية بالأمس القريب.

كاد صوت ضباط الجيش الإسرائيلي أن يسمع في بيروت حين اتصلوا بقيادة قوات الطوارئ الدولية وحددوا ساعة ومكان الرد على صواريخ حماس التجريبية.

في المحصلة، أصابت قذائف الرد الإسرائيلي المدروس والشكلي والمنتظر، قناة جر مياه الليطاني وانقطعت المياه عن بعض بساتين الموز في المنطقة.

بالنسبة للكمين الأول، المتمثل بالعقوبات الأميركية على الأخوين رحمة، فإن إحدى التفسيرات الرائجة والمعممة، قالت إن الإدارة الأميركية أرادت توجيه رسالة سلبية إلى إيران ومناصريها في لبنان، مفادها أن هذا المرشح المدعوم منكما لا مكان له، والدليل أن العقوبات استهدفت رجلي أعمال محسوبين عليه.

أي أن الإجراء الأميركي هو بمثابة صاروخ سياسي عابر للقارات استهدف غواصة إيران الرئاسية، المتمثلة بسليمان فرنجية العائمة في المياه اللبنانية، وفق خطط ومحركات وإحداثيات فرنسية.

أما التفسيرات بالنسبة للكمين الثاني الذي جرى إعداده في جنوب لبنان، فقد قيل وتردد أن أحد الأجنحة الإيرانية، المنزعجة من التقارب السعودي الإيراني عبرت عن انزعاجها إزاء الاتفاق برعاية الصين، بما جرى من استعراض للقوة المشهدية في جنوب لبنان عبر محاكاة لعبة الصواريخ المسنودة إلى منصات الخشب محلي الصنع.

أي أن ما جرى عبارة عن كمين معد مسبقاً متقن الإعداد والتقديم والتمثيل، ليس له أي تأثير عميق على المعادلة الكبرى المرسومة في المنطقة، بعد انجاز اتفاق ترسيم الحدود المائية والنفطية والغازية مع إسرائيل، “اذ ان ابليس لن يخرب بيته أو كرمه بيده”. وبالتالي، ستبقى الأمور على حالها من دون اهتزازات أو تغيرات كبرى وأساسية.

اتفاق بكين ماض في طريقه إلى التطبيق وسط انسيابية معقولة مسرعة ومتدرجة، إن في اليمن عبر الموفدين في صنعاء والحديدة أو في الرياض عبر فتح السفارة الإيرانية، مروراً بوصول وانتشار فرق الاستطلاع والاستكشاف السعودي في طهران!

من كان ليظن أو يفكر حين كان يستمع إلى هتاف أنصار حزب الله في لبنان والدعوة بالموت لآل سعود، أن الخصومة التي وصلت إلى حدود العداء، ستنقلب إلى صداقة قوية بهذه الاندفاعة الجياشة؟

المتضررون من هذا التطور الدراماتيكي، المهم، لا شك انهم أعدوا ويعدون الكمائن لإفشاله والعودة إلى تجارة الأحقاد والضغائن بين الطرفين والمعسكرين.

وسط ذلك، متى سيأتي دور فك أسر الرهائن في السجن المسمى لبنان؟ قد يتأخر بضعة أشهر، لكنه آتٍ لا شك فيه .