هل ينجح لبنان في إعادة إحياء منشآت النفط في طرابلس وخطوط النفط الاستراتيجية عبر اتفاقات ثنائية مع “العراق وسوريا”؟


هل ينجح لبنان في إعادة إحياء منشآت النفط في طرابلس وخطوط النفط الاستراتيجية عبر اتفاقات ثنائية مع “العراق وسوريا”؟

إعداد أ.د. عبد الرحيم إبراهيم
أستاذ وباحث أكاديمي في الجغرافيا والتنمية
26 تموز 2026

تكتسب زيارة رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام والوفد الوزاري الرفيع إلى بغداد أبعاداً استراتيجية بالغة الأهمية في توقيت إقليمي ودولي شديد الحساسية. فقد بحث رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي ونظيره اللبناني جوانب عدة من بينها استئناف مشروع خط أنابيب النفط بين البلدين، والمقرر أن يمر جزء منه عبر الأراضي السورية. لم يعد التعاون الطاقي بين بيروت وبغداد مجرد تبادل تجاري تقليدي، بل تحول إلى إطار تفاوضي متطور لترسيخ دعم العراق للبنان عبر تزويده بالنفط الخام والمشتقات مقابل تبادل خدمات وسلع استراتيجية مشتركة. ومن هنا تتجسد الحكمة الخالدة “لا تعطيني سمكةً، بل علّمني كيف أصطادها”، حيث ترتكز الرؤية الحكومية اليوم على شراكات اقتصادية عميقة مع دول الجوار، وتحديداً سوريا التي تمثل البوابة الإنمائية الأساسية للبنان نحو المشرق العربي وخيرات العراق البترولية.

أولاً : أزمة العبور عبر مضيق هرمز وتكلفة الجيوسياسة على أمن الطاقة

تشهد ممرات التجارة العالمية للطاقة، ولا سيما مضيق هرمز، توترات أمنية واختناقات متكررة تجعل الاعتماد المطلق على الناقلات البحرية خياراً محفوفاً بالمخاطر. فأي تهديد بإغلاق هذه الممرات أو فرض رسوم عبور وتأمينات خيالية يلقي بظلاله على الدول المستوردة كلبنان، مضاعفاً فاتورة الاستيراد ومهدداً بالشلل في قطاعات الكهرباء والنقل والإنتاج.
وتؤكد الخبيرة القانونية في شؤون الطاقة كرستينا أبي حيدر أن أسواق الطاقة العالمية لم تعد تقيس أهمية الدول بحجم احتياطاتها فحسب، بل باتت تمنح أولوية متزايدة لأمن طرق النقل، في ظل تصاعد المخاطر التي تهدد الممرات البحرية وفي مقدمتها هرمز. من هذا المنطلق، تشكل زيارة بغداد فرصة ذهبية لإعادة إحياء مسار الإمداد البري عبر خطوط الأنابيب التاريخية (العراق – سوريا – لبنان)، الذي يوفر ممراً آمناً ومستقراً يتجاوز مخاطر الاختناقات البحرية، ويخفض كلفة التوريد بصورة جذرية.

ثانياً : الواقع الهندسي وتفرعات خطوط النفط الخام

تاريخياً، ارتبط لبنان بشبكة أنابيب نقل النفط الخام من حقول كركوك عبر شركة نفط العراق (IPC) التي تأسست عام 1929. عند محطة حديثة K3، انقسم الخط إلى فرعَين متوازيَين بقطر 12 إنشاً فرعٌ شمالي بطول 928 كيلومتراً انتهى في طرابلس، وفرعٌ جنوبي انتهى في حيفا. دخل الفرع اللبناني الخدمة في 14 تموز 1934، وغادرت أول ناقلة مرفأ طرابلس نحو لوهافر الفرنسية في آب من العام نفسه. تلاه خط ثانٍ عام 1946 بقطر 16 إنشاً، ثم خط ثالث عام 1961 بقطر 30-32 إنشاً.

  • أبرز النقاط التقنية :
    -الأطوال يمتد الفرع الشمالي التاريخي نحو 928 كم من حديثة إلى طرابلس، بينما تبلغ المسافة داخل الأراضي اللبنانية حصراً (من العبودية في عكار حتى البداوي) نحو 31.5 كيلومتراً، وهي جزء من البنى التحتية الاستراتيجية السيادية.
  • القدرة التاريخية مقابل الطموح الجديد بلغت قدرة الضخ التاريخية نحو 900,000 برميل يومياً. لكن المشروع دخل مرحلة أكثر طموحاً؛ إذ أعلنت وزارة النفط العراقية عن تحول من “تأهيل الخط القديم” المتضرر منذ 2003 إلى دراسة إنشاء خط جديد بالكامل بطاقة تصل إلى 1.5-2.5 مليون برميل يومياً — نحو ثلاثة أضعاف الطاقة التاريخية.
  • تحدي الصيانة تحتاج الخطوط اليوم لتأهيل شامل، أبرزه ملف رفع التعديات والتداخلات العشوائية، وإعادة تأهيل المحطات والمضخات وصمامات الأمان.

ثالثاً : المسار الموازي المنافس — خط كركوك – بانياس ( تحت الرعاية الأميركية)

لا يمكن قراءة فرص إحياء “الفرع اللبناني” بمعزل عن مسار مواز أنشط بكثير اليوم. ففي 18 تموز 2026، وقّعت شركة نفط البصرة العراقية والشركة السورية للنفط، بحضور وزير الطاقة الأميركي كريس رايت، اتفاقاً لإحياء خط كركوك – بانياس، على أن ينفذه تحالف تقوده “شيفرون” الأميركية، ضمن حزمة تفاهمات أوسع أُبرمت خلال زيارة رئيس الوزراء العراقي إلى واشنطن.
هذا التطور يحمل دلالتين للقارئ اللبناني أولاً، واشنطن باتت لاعباً مركزياً في تحديد أي الفرعين سيُنعش أولاً : بانياس المدعوم بشيفرون، أم طرابلس الذي ما زال في طور “الدراسة”. ثانياً، المنافسة الزمنية حرجة بينما يتقدم مسار بانياس بخطى تنفيذية فعلية، لا يزال المسار اللبناني عند حدود التفاوض السياسي، ما يستدعي تسريعاً لبنانياً حقيقياً كي لا يتحول فرع طرابلس إلى “خط منسي”.

رابعاً : منشآت النفط في طرابلس من دمار “حرب الآخرين” إلى ضرورة البعث الجديد

أُنشئت مصفاة طرابلس عام 1940 بطاقة 21,000 برميل يومياً. توقفت عمليات التكرير خلال الحرب الأهلية (1975-1990) و”حرب الآخرين”، وتولت الدولة اللبنانية وضع يدها على المصفاة والمصب منذ 1973 تحت اسم “منشآت النفط في طرابلس”، فيما بقيت منشآت البداوي مقتصرة على تخزين وتوزيع المشتقات محلياً.
اليوم، لم يعد مسموحاً بقاء هذا الصرح معطلاً، فتشغيله رافعة اقتصادية كبرى لتحويل المدينة إلى مركز إقليمي متكامل، خصوصاً مع دراسة تصدير النفط والمشتقات، وهو ما يدر مئات ملايين الدولارات سنوياً. كما أن التكامل مع توسعة مرفأ طرابلس ومطار القليعات (الرئيس رينيه معوض) يفتح آفاقاً واسعة للتجارة والاستثمار.

خامساً : من الرعاية الأميركية لخط بانياس إلى ضرورة التحرك اللبناني لإدراج خط طرابلس

بما أن الرعاية الفعلية لمسار كركوك – بانياس لم تعد عراقية-سورية بحتة، بل باتت تحمل توقيعاً أميركياً مباشراً عبر وزير الطاقة كريس رايت وتحالف “شيفرون”، فإن مركز القرار الحقيقي انتقل عملياً إلى واشنطن. من هنا، لم يعد كافياً أن تكتفي السلطة اللبنانية بالتفاوض الثنائي مع بغداد ودمشق فحسب، بل بات لزاماً عليها التحرك بالتوازي مع الجهات الأميركية والدولية المعنية لإدراج منشآت طرابلس ضمن هذا المشروع الإقليمي الأوسع، بدل أن يقتصر التمويل والتنفيذ على الفرع السوري وحده.
غير أن هذا المسعى لا ينفصل عن استحقاق سيادي أكبر، فقد اشترطت واشنطن والرياض سابقاً، كمدخل لأي انفتاح على تمويل بنية تحتية لبنانية، إحراز تقدم ملموس في ملف حصر السلاح وحصر القرار الأمني بيد الدولة اللبنانية حصراً – تماماً كما جرى اشتراط ضبط السلاح المتفلّت ضمن مسار اتفاق واشنطن. صحيح أن طرابلس والشمال لا يشهدان أي حضور عسكري لحزب الله، وهذا عنصر يمكن توظيفه تفاوضياً كميزة أمنية للمشروع؛ إلا أن المستثمر والراعي الدولي يقيّمان استقرار الدولة ككل لا استقرار المنطقة المضيفة وحدها. فقدرة لبنان على تظهير نفسه كشريك موثوق قادر على استقطاب الاستثمار الأميركي ترتبط عضوياً بحسم هذا الملف السيادي أولاً؛ فمن دونه، تبقى الدعوة إلى “دولة تتفاوض وتدرج طرابلس” شعاراً أكثر منها مساراً تنفيذياً.

سادساً : استحقاق الاستكشاف البحري البلوكات 1 و2 والترسيم الإقليمي

لا يمكن فصل مشروع إحياء منشآت طرابلس عن المشهد الأوسع للاستكشافات البترولية في البلوكات البحرية للمياه الاقتصادية الشمالية (1 و2). فوجود بنية تحتية برية متطورة للتكرير والمعالجة والتخزين في طرابلس أحد المتطلبات التقنية والأقتصادية لا غنى عنها للتعامل مع أي اكتشافات مرتقبة. وتبرز هنا أهمية استكمال ملف الترسيم البحري مع الجانبين السوري والقبرصي، لضمان استقرار السيادة اللبنانية وإزالة الغموض القانوني الذي يمنع استقطاب الشركات العالمية.

الخاتمة : انطلاقة عجلة الإنماء الشامل في الشمال، بين الفرصة والمنافسة

إن زيارة بغداد وما تبعها من نقاشات يجب أن تتحول إلى خارطة طريق تنفيذية لا رجعة فيها، خصوصاً أن المنافسة على الاستثمار والرعاية الدولية لم تعد نظرية : فخط بانياس يتقدم بخطى فعلية بدعم أميركي، بينما يحتاج الخيار اللبناني تسريعاً مماثلاً في القرار السياسي والتفاوضي.
فعجلة الإنماء في الشمال لا تنطلق إلا عبر منظومة متكاملة استقبال النفط وتخزينه وتصديره، وتطوير الصناعات البتروكيماوية، والاستفادة من مسار خط الجر (بعرض نحو 18 متراً على امتداد 31.5 كم داخل لبنان) في مشاريع موازية كمد كابلات الإنترنت والبنى الرقمية. إن إحياء منشآت طرابلس، ومعالجة الخطوط، ورفع التعديات، واستكمال الترسيم البحري، تشكل معاً ركيزة الأمن القومي الاقتصادي، وفرصة لا تعوض، وتحويل الشمال اللبناني إلى قطب إقليمي للطاقة والتكنولوجيا والتجارة — شرط أن يتحرك لبنان بالسرعة التي تفرضها المنافسة الإقليمية على هذا الملف.

المصادر :

  1. المديرية العامة للنفط، وزارة الطاقة والمياه. (2026). تقارير منشآت النفط في طرابلس. الجمهورية اللبنانية.
  2. شركة نفط العراق [IPC]. (1931–1961). اتفاقيات وسجلات خطوط أنابيب كركوك – المتوسط.
  3. مركز الدراسات الاستراتيجية للنفط والطاقة. (2022). البنى التحتية لخطوط نقل الطاقة في المشرق العربي.
  4. الأرشيف التوثيقي اللبناني. (2020). تاريخ المنشآت النفطية الساحلية وتأثيرات الصراعات.
  5. الموقع الرسمي للقوات اللبنانية، اتحاد المصارف العربية، جريدة لبنان الكبير (تموز 2026).