أقام منتدى «قيمنا» للثقافة والحوار، بالتعاون مع مجلس بلدية زغرتا–إهدن، محاضرة بعنوان «القيم إلى أين؟»، لمفتي طرابلس والشمال سابقًا الشيخ الدكتور مالك الشعّار، في قاعة دير مار سركيس وباخوس – إهدن، بحضور فعاليات سياسية، مشايخ وأباء، جمعيات ونقابيين، شخصيات ثقافية، اجتماعية وتربوية، اعلاميين ومهتمين.
منتدى “قيمنا”

استهلّ رئيس منتدى «قيمنا» سركيس سمعان الكلام مرحّباً بالحضور، ومقدّماً المنتدى الذي حصل حديثاً على رخصة تأسيسه، لافتاً إلى أنّ المنتدى جاء “بهدف إحياء القيم الاجتماعية التي باتت شبه مفقودة”، والتي تتعرّض، بحسب تعبيره، “لخطة شرسة وممنهجة تهدف إلى طمسها من مفردات المجتمع وتفاصيل الحياة اليومية”.
وأوضح سمعان أنّ أهداف المنتدى “تتمثّل في ترسيخ القيم الإنسانية والاجتماعية والدينية على قاعدة التفاعل الاجتماعي، وإخراج المجتمعات من بلبلة المفاهيم المدمّرة، والمشاركة في معالجة المواضيع الثقافية والفكرية، إلى جانب إقامة ندوات فكرية وثقافية متخصصة وسائر النشاطات التي تساعد في تحفيز الشباب على الانخراط في مختلف نشاطات المنتدى”. كما أشار إلى أنّ المنتدى “يهدف إلى تكريم الشخصيات التي ترى الهيئة الإدارية أنّها تركت آثاراً إيجابية في المجتمع”.
ودعا سمعان الجميع إلى الالتفاف حول المنتدى والمشاركة في مختلف نشاطاته، شاكراً رئيس دير مار سركيس وباخوس الأب زكّا القزي على حسن الاستضافة وفتح أبواب هذا الصرح أمام اللقاء، ورئيس وأعضاء المجلس البلدي في زغرتا-إهدن على رعايتهم للحدث، ثم دعا المسؤول الثقافي الأستاذ محسن يمّين إلى المنبر للتعريف بالمحاضر.
محسن يمّين

قال يمّين في كلمة تقديم المفتي إنّه «من دواعي سرورنا أن نستضيفكم في إهدن، في رحاب هذا الدير التاريخي بالذات»، متوجّهًا إلى المفتي الشعّار بالقول إنّ الحرص على دوام التآخي «هو جوهر لبنان، لبنان الصيغة، لبنان البوتقة الحضارية، لبنان الرسالة»، مشيرًا إلى أنّه قوبل برضى مختلف المذاهب والطوائف في طرابلس والشمال، وأنّ تسميته «بمفتي المسيحيين والمسلمين» شكّلت «الدليل الساطع على الاعتراف بفضلكم والإقرار بحكمتكم واعتدالكم وتعقّلكم»، ولا سيما في مفهومه للوسطية التي لم ينفكّ عن التذكير بها، باعتبار أنّ الإسلام، في منظوره، يجعل من التوسط فضيلة في شؤون الدين والدنيا.
وأضاف محسن أنّ المجال يطول لو عدّد ما مثّله المفتي الشعّار من آمال في أعماله، متوقفًا عند منحه لقب «الإطفائي» خلال ما عصف بطرابلس من أحداث جسام، حيث كان «رجل التسامح والدعوة إلى الحوار»، و”داعية انفتاح على المكوّنات الوطنية كافة في كل ما يتصل بالسياسة، وداعية تمسّك بأهداب الشريعة في كل ما يتصل بالدين”.

مفتي طرابلس والشمال سابقًا الشيخ الدكتور مالك الشعّار
بدأ المفتي الشعار مداخلته بالقول: «ليس سهلاً أن نتحدث عن القيم ومآلاتها، أولاً لكثرتها وتنوعها، وثانياً لأنها مستوعبة لشتّى جوانب الحياة الإنسانية والمجتمعية، وربما كانت المساحة المشتركة الأوسع بين الرسالات السماوية بعد الإيمان بالله تعالى».
ومن هذا المنطلق، رأى أن الولوج إلى الموضوع لا يمكن أن يكون إلا من بوابته الكبرى، أي المجتمع ومرتكزاته القِيمية، وفي مقدّمها الحرية والعدل والمساواة.
فالحرية، بحسب الشعار، هي «أهم القيم الإنسانية، لأنها تمثّل الوجود الحقيقي الفاعل للمواطن»، وهي مطلقة ما لم تصطدم بالانتظام العام أو بالقانون. وتتعدد أشكالها بين حرية التعبير والمعتقد، والاقتصاد الحر، والممارسة السياسية، وحرية التنقل، معتبراً أن «الحرية أمّ القيم، وهذا ما يميّز لبنان عن العالم، وهي رئتنا».
أما الركيزة الثانية للمجتمع فهي العدل، الذي لا يقتصر على المحافظة على القانون وحماية الأمور المادية، بل يشمل أيضاً صون الحقوق والأمور المعنوية.
وتأتي المساواة بوصفها المرتكز الثالث، وهي «قيمة دينية أساسية»، والمقصود بها المساواة بين الحقوق والواجبات، لافتاً إلى أن الناس في الإسلام «سواسية».
وانتقل الشعار إلى القيم الإنسانية، التي تقوم، كما قال، على «التعامل بين البشر، وبين الإنسان والإنسان، والإنسان بالله، والإنسان بالكون»، مشدداً على أن شعور الإنسان بالسعادة لا يكتمل من دون القيم.
وفي حديثه عن القيم المسيحية، توقف عند «المحبة، أعظم الفضائل»، معتبراً أن «قيم المحبة في المسيحية والإسلام تكاد تكون واحدة». ومن هنا، فإن قيم المحبة والغفران والعدل والرحمة هي، في رأيه، قيم التسامح التي ينبغي أن تسود بين اللبنانيين.
وشدّد المفتي الشعار على أن «التسامح لا يتحقق إلا باللقاء والمصافحة، والتعاون المشترك وزيارة بعضنا في المناطق، وحتى في البيوت»، داعياً إلى إعلان رسالة مشتركة إلى العالم مفادها أن «المسيحية لا علاقة لها بالتعصب ولا بالطائفية، وأن الإسلام لا علاقة له بالتعصب ولا بالطائفية. المسيحية دين وقيم، والإسلام دين ومنهج».
وأضاف أن «وجودنا مع بعضنا هو خيارنا وليس قدرنا فحسب»، داعياً اللبنانيين إلى القول للعالم إن «القيم الدينية تجمع ولا تفرّق، بل إن القيم الدينية هي رسالتنا إلى العالم»، لأن «بالتسامح نصبح عائلة واحدة اسمها لبنان”.
وفي ختام اللقاء، جال المفتي الشعار برفقة رئيس دير مار سركيس وباخوس الأب القزّي في أرجاء الدير التاريخي، مطّلعًا على أبرز معالمه، ومستمعًا إلى نبذة عن تاريخه وإرثه الروحي والثقافي.

