أَشْرَقَتْ آفاق الوجود بأبهى صباح، وبزغ فجر النور ولاح، يوم المولد المجيد، لمحمد الحبيب الرشيد، المبعوث رحمة للعالمين، وشفيّع الخلق يوم الدين.
ولد يتيماً، ونشأ حميداً، احتضنته حليمة السعدية فأخصبت به ديارها، وأشرقت ببركته أنوارها. شق صدره في الصغر ليطهر من الدنس والكبر، ونشأ في كلاء الرحمن، محفوظاً من أدران الأوثان. رعى الغنم لأهل مكة على قاريط قاريط، وسلك في الشباب أقوم صراط، فكان الصادق الأمين، والمأمون المكين.
ثم سافر في التجارة لخديجة ذات العفاف والكرم، فرأت من بركته ما سرها، فكان الزواج الميمون المعظم. ولما اختلفت قريش في وضع الحجر، كان حكمها المظفر فحقن الدماء وأبقى الأثر.
حببت إليه الخلوة في غار حراء، يتعبد ويتحنث لرب السماء، حتى تنزل عليه الوحي بإقرأ، فجاء يرتجف بها فؤاده، فقالت خديجة السند: «كلا والله لا يخزيك الله أبداً»، لأنه هو المعتمد.
بدأ الدعوة في خفاء وسر، يجمع الصفوة في دار الأرقم لاستجلاء الفجر. ثم أُمر بالجهر فعلا الصفا، ونادى القوم بالصدق والوفا، فناصبوه العداء، وساموه وأصحابه سوء البلاء.
حُوصر في الشعب ثلاث سنين يقاوم اللأواء والمصائب، وتوالت عليه الرزايا بوفاة خديجة وأبي طالب، فسمي عام الحزن والأسى. ذهب إلى الطائف يطلب النصرة فرد بالحجارة، فدعا ربه بتضرع واستكانة، فأكرمه وأجاره، فكان اللقاء الأبهى عند سدرة المنتهى.
عرض نفسه على القبائل في المواسم، حتى لقي الأنصار بالعقبة فبايعوه على المكارم. أُذن له بالهجرة والجلاء، فهاجر مع الصديق إلى طيبة فطابت وإلى المدينة فتنوّرت، خط فيها مسجده الشريف، وآخى بين المهاجرين والأنصار بعهد منيف، وكتب الوثيقة لتنظيم الحقوق والعهود، فتأسست دولة التوحيد والجود.
صال في المعارك وجال، وحقق الهدى وأزاح الضلال. يوم بدر كان الفرقان والنصر المبين، ويوم أحد كان الابتلاء والتمحيص للمؤمنين، ويوم الخندق رد الله كيد الأحزاب خائبين، وفي صلح الحديبية فتح باباً للفاتحين. ثم غزا خيبر وهدم حصونها، وقاد غزوة تبوك في العسرة وأرجف رومها.
دخل مكة فاتحاً متواضعاً، ذقنه تمس رحله متخشعاً، فأطل على أهلها الذين أذاقوه البلاء وقال: «اذهبوا فأنتم الطلقاء»، فكان يوم المرحمة.
فأقبلت الوفود تدخل في دين الله أفواجاً، وحج حجة الوداع يرسم للأمة المناسك، ويوصي بالنساء والدماء أن تصان عن المهالك. ولما كمل الدين وتمت النعمة وبلغ المقام الأعلى، نزل الملك يخيره فاختار الرفيق الأعلى، ففاضت روحه الطاهرة في حضن عائشة البرة.
فأظلمت المدينة لفراقه، وبكته الأفئدة لاشتياقه، وترك فينا المنار والمنارة، والكتاب والهداية والبشارة، فعليه أزكى الصلاة وأتم التسليم، إنه محمد رسول الله النبي المجتبى والرسول المصطفى صاحب الذكرى، صلوا عليه وسلموا تسليماً.

