: خطبة الجمعة من مسجد السلام لأمين فتوى طرابلس وشيخ قرَّائها الشيخ بلال بارودي (مُحَمَّدٌ سَيِّدُ الْأَنبياء)

: خطبة الجمعة من مسجد السلام لأمين فتوى طرابلس وشيخ قرَّائها الشيخ بلال بارودي (مُحَمَّدٌ سَيِّدُ الْأَنبياء)

: إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا، ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، هو أعلم حيث يجعل رسالته، وهو يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس، إن الله سميع بصير، يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة، سبحان الله وتعالى عما يشركون. وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله وصفيه من خلقه وخليله، بلغ الرسالة وأدى الأمانة وعبد الله حتى أتاه اليقين، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا كل ضال هالك، صلوات ربنا وتسليماته عليه وعلى آله الأطهار وصحابته الأخيار ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. يقول ربكم جل جلاله: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما.ثم أما بعد، فإن أصدق الحديث كلام الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، أيها الأحباب المؤمنون الأحرار، لا نزال معكم في شهر ربيع الأول نتعرف على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم الذي اصطفاه الله واختاره واجتباه، والذي علمه فشرح له صدره ووضع عنه وزره ورفع له ذكره، الذي عصمه من الناس وما ودعه وما قلاه، ولكنه حماه ووقاه، وجعل باب الجنة مغلقا ما لم يفتحه، وجعل دخول الجنة ممنوعا إلا لمن تابعه، فصلوات ربنا وتسليماته عليه دائما أبدا ما تعاقب الليل والنهار.ونحتاج أيها الأحباب الكرام أن نتعرف على هذه الشخصية الكريمة، لا لأن نعجب بها فحسب بل لنعلم مدى النعمة الكبيرة التي أسداها الله تعالى إلى خلقه عندما قال جل جلاله في حقه: وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين. تصوروا أيها الأحباب الكرام أن بعثة النبي صلى الله عليه وسلم ورسالة محمد صلى الله عليه وسلم ووجود شرعة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بالنسبة للعالمين هي الرحمة. تخيل عالما بلا رحمة، تخيل عالما بلا حب بلا شعور بلا مذاق، لا قيمة للحياة. والله ثم والله ما طابت الحياة إلا ببعثة ورسالة النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا الشافعي محمد بن إدريس رحمه الله تعالى الإمام الكبير يقول في أول كتابه الرسالة: فلم تمس بنا نعمة ظهرت ولا بطنت نلنا بها حظا في دين أو دنیا أو دفع عنا مكروه فيهما إلا ومحمد صلى الله عليه وسلم سببها الهادي إلى خيرها والقائد إلى رشدها.كيف رفعه بين القوم؟ هل لأنه أدعج العينين؟ هل لأنه حوى صفات الجمال وحسنها كلها في وجهه وفي جسمه فهو قسيم وسيم؟ هل هذا فحسب؟ ليس هذا فحسب، بل لأن الله جل جلاله وضع فيه من الكمالات ما يجعل الإنسان كلما تحدث وطلب كمالا إلا ووجده فيه. فإن تحدثت عن الشجاعة فهو أشجع الناس، إن تحدثت عن الجود فهو أجود الناس، إن تحدثت عن الرفق فهو أرفق الناس، إن تحدثت عن العقل والذكاء والفطنة فهو أفطن وأعقل الناس، إذا تحدثت عن المشاعر فهو الذي يملك المشاعر المرهفة والأحاسيس العجيبة، يحنو على الولد واليتيم، ويشفق على الأرملة والمسكين، ويوصي بالأرملة والشيخ الكبير. كل ما فيه ينبغي أن يتمثل في الحياة، لذلك عندما قال الشافعي هذه المقالة ما قالها هكذا عن عبث، إنما قال ليعلم الناس أنهم إن أرادوا الرشد، إن أرادوا الخير، إن أرادوا الهدى فهذا سبيل محمد صلى الله عليه وسلم.والنبي صلى الله عليه وسلم أعطانا مثلين اثنين: مثل هو والأنبياء جميعا، ومثل هو صلى الله عليه وسلم في أمته. نبدأ بالمثل الذي مع الأنبياء، وتعلمون أن النبي صلى الله عليه وسلم هو خاتم النبيين وليس بعده رسول صلى الله عليه وسلم، وما من رسول إلا وأخذ عليه الميثاق إن جاء محمد صلى الله عليه وسلم ليؤمنن به ولينصرنه، وقال صلى الله عليه وسلم: لو كان موسى وعيسى حيا ما وسعه إلا اتباعي. فهو النبي المختار، هو الإمام الأعظم في عالم الرسالات.فقال صلى الله عليه وسلم عن نفسه مع الأنبياء: مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بنيانا فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة، فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة؟ فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم. يفهم من هذا الحديث أن الرسالة مصدرها واحد تنوعت في الأقوام وفي الأمكنة وفي الأزمنة، وكل من الأنبياء دعا إلى الله تعالى: ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت. وهذه الرسالة من عند الله أصولها واحدة لا تتغير البتة أبدا، وشرائعها مختلفة حسب الأزمنة وحاجات الناس. وبدأت النبوة والرسالة مع النبي آدم عليه السلام عندما اجتباه ربه فتاب عليه وهدى، ثم كان أول رسول إلى البشرية نوحا عليه السلام، وهذا نوح عليه السلام الذي حمل البشرية في الفلك المشحون، وأنشأنا من بعدهم قرونا آخرين. وهكذا توالت الرسالات، مصدرها واحد وهدفها متنوع وشرائعها مختلفة.أتى النبي صلى الله عليه وسلم فجمع الله تعالى له الأنبياء والرسل مأمومين له وهو الإمام في بيت المقدس، ثم عرج به إلى السماوات العلا مسلما عليهم واحدا واحدا مع أهل السماء، إلى أن وصل إلى سدرة المنتهى عندها جنة المأوى، وما كان لبشر قبله ولا بعده ولا مثله أن يصل إلى ما وصل إليه في سدرة المنتهى حيث ينتهي هناك علم الخلائق. فالنبي صلى الله عليه وسلم هو الخاتم وهو الإمام، ومعناه الأخير وآخر الأنبياء، هو خاتم النبيين وسيد المرسلين. الله جل جلاله ماذا قال؟ وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم وأخذنا منهم ميثاقا غليظا. فذكر الله تعالى الميثاق منه قبل أن يذكر الميثاق من نوح وإبراهيم وموسى وعيسى لأن شريعته هي المهيمنة، ولأن الكتاب الذي أنزله الله تعالى إليه مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه، ففي القرآن العظيم الذي آتاه الله تعالى علم التوراة والإنجيل والزبور والصحف وما أنزل الله تعالى في الألواح، فلذلك هو الخاتم.واختاره كذلك وسماه أحمد صلى الله عليه وسلم كما نطق بذلك عيسى بن مريم، وسماه محمدا كما أتى في ذكره: محمد رسول الله. ومحمد وأحمد من أجمل الأسماء، فأحمد من أفعل التفضيل أي هو الأفضل في الحمد، ومحمد اجتمعت محاسنه على كل محمود صلى الله عليه وسلم، ولم يسبق في العرب أن سمي أحد محمدا، لذلك كان هو محمد صلى الله عليه وسلم. فقال عن نفسه: مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بنيانا. هذا البنيان هو الرسالات التي أرسلها الله تعالى إلى البشرية مع الرسل، فأحسنه وأجمله، فكل ما في شرائع الله على ألسنة رسل الله حسن جميل، وما ترك الله تعالى للبشرية أن تشرع لنفسها القوانين ولا أن تضع لنفسها الأحكام، فما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب، وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون. فالرسالة حاجة للبشرية أقوى من حاجة الهواء والماء لأن بها تثبت لهم الحياة الأبدية والسعادة السرمدية. فإذا البنيان هو الرسالات وكل ما في البناء جميل، فلا يمكن أن يطعن أحد بشريعة أحد من الأنبياء، فنحن المؤمنون كما قال الله تعالى: آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله. هذا إيمان، آمن بكل الرسل.قال: فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له: ما أحسنه ما أجمله إلا موضع اللبنة. ما تم البناء، وعندما لم يتم البناء لا بد أن يكون ما يتم به البناء هو الذي يجعل لهذا البناء الرونق المستمر، فقال صلى الله عليه وسلم عن نفسه: فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين صلى الله عليه وعلى جميع الأنبياء والمرسلين. فهذا مثله ومثل الأنبياء من قبله.أما مثله في أمته صلى الله عليه وسلم فقد ورد في الحديث: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم نائم، وفي رواية بين النائم واليقظان، أتاه ملكان، فكان ملك عند رأسه وملك عند قدميه، فقال له: اسمع – يخاطب النبي صلى الله عليه وسلم – اسمع سمعت أذنك وعقل قلبك، مثلك ومثل أمتك كمثل رجل – أو كمثل ملك – بنى دارا ثم جعل فيها بيتا ثم جعل فيها مائدة ثم أرسل رسولا يدعو الناس إليها. فالله هو الملك، والدار هي الإسلام، والمائدة والبيت هي الجنة، وأنت يا محمد صلى الله عليه وسلم رسول، فمن أجابك دخل الإسلام، ومن دخل الإسلام دخل الجنة، ومن دخل الجنة أكل ما فيها.فإذا المعول عليه اتباع النبي صلى الله عليه وسلم: قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم. واتبعوه لعلكم تهتدون. وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون. فالرحمة متوقفة ودخول الجنة متوقف على اتباعه، والرحمة لن تنزل إلا باتباع هديه. فلذلك أيها الكرام علاقتنا بالنبي صلى الله عليه وسلم هي علاقة ولاء وبيعة، علاقة محبة واتباع. لذلك عندما نكثر من الصلاة والسلام عليه فإننا نجدد البيعة للنبي صلى الله عليه وسلم، فعلاقتنا به هي الرسالة، فنحن نقول: اللهم صل وسلم على محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. يعني نقول: يا رب زد هذا النبي شرفا وكرامة ورفعة وقدرا وثبتنا على اتباعه. لذلك من صلى علي واحدة صلى الله عليه بها عشرا، ومعنى صلى الله تعالى بها عليه عشرا أي أخرجه من الظلمات كلها إلى الأنوار وإلى فيض العطاءات كلها: هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور.فيا أيها المؤمنون، تعرفوا على نبيكم صلى الله عليه وسلم، تعرفوا على هديه، على سننه، على مآثره، على شمائله، على مناقبه، على معجزاته، على كل ما فيه. تعرفوا على ما تركه لنا بعد وفاته، تعرفوا على الأمور التي أخبرنا أنها ستقع بعد وفاته، تعرفوا على ذلك حتى تزدادوا له حبا، وعلقوا ذلك بالصلاة والسلام عليه خصوصا يوم الجمعة، فأكثروا من الصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم. أقول ما تسمعون وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه، فيا فوز المستغفرين استغفروا الله.الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده، نصر عبده، وصدق وعده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده، لا شيء قبله ولا شيء بعده، ولا نعبد إلا إياه مخلصين له الدين ولو كره الكافرون. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله، بلغ الرسالة وأدى الأمانة وجاهد في الله حق جهاده. عباد الله، إن الله وملائكته يصلون على النبي، يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد. وارض اللهم عن الخلفاء الراشدين والصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين.اللهم ارحمنا فإنك بنا راحم، ولا تعذبنا فإنك علينا قادر، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك ولا يرحمنا، يا حي يا قيوم برحمتك نستغيث، أصلح لنا شأننا كله ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين ولا أقل من ذلك ولا أكثر، إلهنا مولانا أنت رب العالمين. اللهم اهدنا واهد بنا واجعلنا سببا لمن اهتدى، اجعلنا اللهم هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين، سلما لأوليائك وحربا على أعدائك، نحب بحبك من أحبك ونعادي بعداوتك من خالف أمرك. اللهم اهد شبابنا، اللهم اهد رجالنا، اللهم اهد نساءنا، اللهم اهد شاباتنا، اللهم اهد أبناءنا وبناتنا، اللهم اهد إخواننا وأخواتنا، اللهم اهد أمهاتنا وآباءنا، ربنا ارحمهما كما ربيانا صغارا. اللهم اهد علماءنا لقول الحق، واهد ولاة امورنا للحكم بالحق، واهدنا بهداك ولا تكلنا إلى سواك.اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة. اللهم إننا نعوذ بك من زوال نعمتك وتحول عافيتك وفجاءة نقمتك وجميع سخطك. اللهم إنا عبادك بنو عبادك بنو إمائك، نواصينا بيدك، ماض فينا حكمك، عدل فينا قضاؤك، نسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، ونور أبصارنا، وجلاء همومنا، وذهاب غمومنا وأحزاننا. اللهم وعلمنا منه ما جهلنا، وذكرنا منه ما نسينا، وارزقنا تلاوته آناء الليل وأطراف النهار على النحو الذي ترضاه منا، اجعله اللهم في حياتنا إماما ونورا، وفي قبرنا أنيسا ونورا، وعند حشرنا شفيعا ونورا، اجعله اللهم حجة لنا ولا تجعله حجة علينا، ردنا والمسلمين إلى دينك ردا جميلا. اللهم اشرح لنا صدورنا، ويسر لنا أمورنا، واحلل عقدة من ألسنتنا يفقهوا قولنا. اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب..اللهم استر عوراتنا، اللهم آمن روعاتنا، اللهم احفظنا من بين أيدينا ومن خلفنا وعن أيماننا وعن شمائلنا ومن فوقنا، ونعوذ بعظمتك أن نغتال من تحتنا، واجعل هذا البلد سخاء رخاء حفظا وأمنا بحفظك وأمنك، فإنك أنت الله خير حافظا وأنت أرحم الراحمين. اغفر اللهم لنا ولوالدين ولمن علمنا وللمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.