محمد الحسن

لم يكن الرئيس نجيب ميقاتي بحاجة إلى كثير جهد لكي يثبت وجوده في الحياة الطرابلسية السياسية. فيكاد لا يمر يوم إلا ويُذكر الرجل في الأوساط المختلفة؛ وإذا كانت بعض الأطراف تسعى للتذكير بحضوره على سبيل النقد مثلاً، فإن قوىً أخرى تستذكره على مدار الساعة بأعماله ومواقفه وتوليه للحكومات المتتالية التي تولى رئاستها في مواقيت وأزمنة بالغة الدقة والحساسية في تاريخ لبنان.
ومن هنا، فإن هذه المواقف دائماً ما ترد وتؤكد أن الرجل سيُذكر في تاريخ لبنان الحديث على أنه كان القادر على نقل لبنان في مراحل مختلفة من حقبات النار إلى حقبات الهداءة والمعادلات المعتدلة للداخل، بدءاً من عام 2005 وحتى عام 2024.
وكان من آخر إنجازاته السياسية قرار وقف إطلاق النار إبان حكومته، والذي كان قراراً كاملاً بكل معنى الكلمة، لولا أن تستعيد الحرب أوزارها وتلقي بثقلها على البلاد برمتها.
وبالعودة إلى المواقف التي أطلقها ومرر خلالها كلمة الواقعية بكل ما تحمله من مضمون واشارات للمجتمع السياسي في لبنان . فإن الرئيس ميقاتي أثبت مجدداً هذا الحضور؛ ليس من خلال المواقف بدايةً، بل من خلال مسارعة الشارع الطرابلسي (المؤيد له، والمشاكس لحضوره، والمحايد، والمعارض) إلى تبادل مواقفه والمقاطع التي بُثت سواء على منصاته أو على المنصة نفسها. فتداول الجمع الغفير في مدينة طرابلس هذه المواقف، ومنهم من علق عليها ومنهم من اكتفى بنشرها.
إضافة إلى ذلك، فإن جمعاً من الطرابلسيين (ومنهم المحايدون) سارعوا إلى القول إن نجيب ميقاتي هو «رجل دولة»؛ وعندما يطل يُثبت حضوره بالفِعل والفاعل والمفعول به، أي بجميع المعطيات اللغوية. فهو يحضر فيستقطب السمع، ويسترعي الانتباه، ويلفت إلى مكامن الخلل وإلى الطرق الآيلة للنجاة في بعض المراحل.
وخلافاً لكل الانطباعات التي كانت تُثار في طرابلس من أن الرئيس ميقاتي يسعى للعودة إلى الحكومة، فقد جاءت مواقفه المؤيدة للرئيس نواف سلام، والمؤكدة بأن الرئيس سلام «باقٍ إلى ما شاء الله» —بتعبير يحمل الكثير من الجدية والمسؤولية التي اتخذها ميقاتي على عاتقه مع الرئيسين تمام سلام وفؤاد السنيورة لحماية مسيرة الرئيس نواف سلام الموقع والمقام المرتطبين ارتباطاً وثيقاً بإرادة الثلاثة وبالنادي الذي سعى لتأسيسه الرئيس ميقاتي أصلاً.
وفي القضايا الوطنية الأخرى، لم يسقط الرئيس ميقاتي أي موقف ينسجم مع القناعة الطرابلسية؛ فالمواقف الطرابلسية التي أُطلقت مؤخراً والمتعلقة بالجنوب اللبناني، وضرورة حصر السلاح بالدولة، وضرورة دخول لبنان في موقف حاسم لصالح الدولة الهادئة المستقرة، وردت على لسان الرئيس ميقاتي (ولو بمقاطع مختلفة)، وقد رحبت المواقف الطرابلسية وتعاطت بشكل إيجابي مع هذا الكلام البالغ الوضوح. وفي حين أصر الرئيس ميقاتي مراراً على التأكيد أنه لا يحاول توجيه أحد في السلطة أو الإيحاء لأحد بمسار معين، إلا أن كلامه سيحضر في المرحلة المقبلة، وفق تحليل طرابلسيين ،على لسان مسؤولين أو عبر أدائهم. وهذا أمر يترقبه المتابعون لكي ينسجم كلام ميقاتي مع مسالك بعض المسؤولين الذين يتفقون معه أو يلاقونه في المواقف.
وأخيراً، جاء الكلام عن دار الفتوى ليؤكد الحرص على المقام، دون استثناء أو إسقاط مجلس شورى الدولة كمؤسسة عدلية يتمسك بدورها الرئيس ميقاتي، حرصاً على عمل القضاء .
وخلاصة القول: لاقت مواقف الرئيس ميقاتي الانطباعات والرغبات الطرابلسية والمسارات التي تنسجم مع ضرورة انتقال لبنان من مرحلة النار إلى مرحلة الهدوء لاسترجاع أنفاسه اقتصادياً وأمنياً واجتماعياً وسياسياً.
ليبقى السؤال المطروح حول رغبته بالترشح للانتخابات النيابية المقبلة أو دعم من يراه مناسباً؛ حيث تشير القراءات إلى أن تحالفاته الحالية مع نواب شماليين وطرابلسيين مجدية، بانتظار ما ستكشفه الأيام القادمة.
