ترأس البطريرك الماروني الكردينال مار بشارة بطرس الراعيالأحد الثامن من زمن العنصرة في كنيسة الصرح البطريركي في الديمان يعاونه المطران إلياس نصار ، الأب أنطوان خضرا والقيم البطريركي الخوري طوني الآغا وأمين السر الخوري كميليو مخايل بحضور وفد جماعة وقفية سيدة العناية – أدونيس جبيل بعائلاتها الثلاثمية وشبيبتها وحشد من المؤمنينوبعد تلاوة الإنجيل المقدس ألقى غبطته عظة بعنوان: “سأجعل روحي عليه، فيبشّر الأمم بالحق” (متى 12: 18)قال فيها : بهذه الآية من نبؤة آشعيا يفتح لنا الإنجيل باب التأمل في هوية المسيح ورسالته. فهو ليس مجرد معلم أو نبي بين الأنبياء، بل هو المحبوب الذي حلّ عليه روح الله، فأصبح حضوره إعلانًا للحق، ورسالةً للخلاص، ورجاءً لجميع الأمم.إن عبارة «سأجعل روحي عليه» تكشف لنا هوية يسوع الابن الذي امتلأت بشريته من الروح القدس، فصار كل ما يعمله وكل ما يقوله ثمرة حضور الروح القدس فيه. كما تكشف لنا رسالته: «فيبشر الأمم بالحق».إنه يعلن الحقيقة التي تحرر الإنسان، ويقوده إلى الخلاص، ويزرع الرجاء في قلوب الشعوب.هذه الهوية وهذه الرسالة لم تبقيا محصورتين بشخص المسيح وحده، بل أشرك فيهما كنيسته. فمن خلال المعمودية والميرون أصبحنا شركاء المسيح في هويته ورسـالته، فحلّ علينا الروح القدس، وأُرسلنا لنكون شهودًا للحق في العالم. وهكذا تشمل هذه الدعوة الكنيسة كلها: رعاتها، ومؤمنيها، ورجالها ونساءها، ومؤسساتها التربوية والاجتماعية والثقافية والجامعية، كلّهم مدعوون ليحملوا هوية المسيح، ويواصلوا رسالته، حتى يبقى الإنجيل نورًا للعالم، ويبقى اسم المسيح الرجاء الذي تتكل عليه الأمم.وأضاف: يسعدني أن أرحب بكم جميعًا للاحتفال معًا بهذه الليتورجيا الإلهية، وأوجّه تحية خاصة إلى جماعة وقفية سيدة العناية – أدونيس جبيل الحاضرة معنا بعائلاتها الثلاثمية وشبيبتها على رأسهم الأب أنطوان خضرا، وأشكرهم على حضورهم ومشاركتهم معنا في هذه الليتورجيا. إنّها بتولية البطريرك الماروني، وفيها القربان مصمود 24 ساعة على مدى سبعة أيام الأسبوع ليتيح الفرصة للمؤمنين لعبادة وسجود متواصل أمام المسيح وهي فرصة للتأمل في سرّ المسيح وحضوره الفعلي في القربان الأقدس، للصلاة والتوبة وطلب النعم.وفي هذه الوقفية نرى خير تعبير لدور “العلمانيين المؤمنين بالمسيح” بحكم المعمودية والميرون، في الكنيسة، وأبلغ تجسيد للمشاركة في وظائفِ يسوع المسيح الكهنوتية والنبوية والملوكية، كما علّم المجمع الفاتيكاني الثاني في دستوره العقائدي “في الكنيسة” (الأعداد 34-36)؛ والبابا القديس يوحنا بولس الثاني في الإرشاد الرسولي “العلمانيون المؤمنون بالمسيح” (العدد 14). اننا نشكر الله عليكم، ونحن نعرف هذه الوقفية ونعرف روحانيتها ونعرف التزامها، انها نعمة من الله في كنيستنا.فبالعودة إلى هويتنا ورسالتنا المسيحية، يرسم لنا الرب يسوع نهجين لعيش هاتين الهوية والرسالة:النهج الأول: الوداعة والتواضع. كما يتّضح من نبؤة آشعيا: «لن يماحك ولن يصيح، ولن يسمع أحد صوته في الساحات.» إن المسيح لا يقنع بالعنف، ولا يفرض الحقيقة بالضجيج، بل يجعل الوداعة طريقه، والتواضع أسلوبه، والمحبة وسيلته للوصول إلى القلوب. وهكذا ينبغي أن تكون رسالة الكنيسة ورسالة كل مؤمن ومؤمنة: شهادة هادئة، صادقة، ومتجذرة في المحبة.والنهج الثاني: الاهتمام بالإنسان الضعيف والمهمّش والفقير والصغير والمعاق، بحسب نبؤة آشعيا: «قصبةً مرضوضةً لن يكسر، وفتيلةً مدخنةً لن يطفئ.» إن يسوع لا يتخلى عن الإنسان المجروح، ولا يدين الضعيف، بل يقترب منه، ويرفعه، ويعيد إليه كرامته ورجاءه. هذه هي رسالة الكنيسة ورسالتنا جميعًا، أن نقف إلى جانب كل متألم، وفقير، ومنكسِر القلب، لأن فيهم وجه المسيح المتألم.ثم يصل الإنجيل إلى غايته بقوله: «إلى أن يصل بالحق إلى النصر.» فالحق هو الذي ينتصر في النهاية، لا الكذب؛ والمحبة هي التي تبقى، لا الكراهية. لذلك فالمسيحي لا يخاف من السير في طريق الحق، حتى وإن كان طويلًا، لأنه يعرف أن نهاية هذا الطريق هي النصر الذي يصنعه الله. ويختم الإنجيلي بقوله: «وباسمه تجعل الأمم رجاءها.» فالمسيح هو رجاء الشعوب، والكنيسة مدعوة لأن تبقى شاهدة لهذا الرجاء.وتابع : الهوية والرسالة ركيزتان لا يستقيم مستقبل أي وطن من دونهما. ولبنان أيضًا يحمل هويةً ورسالة، فلا تقوم هويته إلا على الحرية والكرامة والحقيقة والعيش المشترك، ولا تبقى رسالته إلا بقيام دولة عادلة، جامعة، سيدة، تحفظ حقوق جميع أبنائها وتصون مستقبلهم.إن لبنان اليوم مدعوّ أكثر من أي وقت مضى إلى أن يختار طريق الحقيقة لا طريق الأوهام، وطريق الدولة لا منطق الدويلات، وطريق الحوار لا لغة السلاح. وفي ظل ما تشهده المنطقة من تطورات متسارعة، يبقى الخيار واضحًا: إمّا تنفيذ الاتفاق الإطار بما يضمن سيادة الدولة على كامل أراضيها، واستقلالها واستقرارها، وإمّا العودة إلى دوامة الحرب التي لا تجلب لشعوبنا إلا الدمار والقتل والتهجير والآلام.السلام نريده، والحرب نرفضها. نريد سلامًا يحفظ كرامة الإنسان، ويصون سيادة لبنان، ويعيد الثقة إلى أبنائه، لأن الأوطان لا تُبنى بمنطق الغلبة، بل بمنطق الشراكة، ولا تستقر بالقوة، بل بالعدالة، ولا تزدهر إلا عندما تكون مصلحة الوطن فوق كل اعتبار.في قلب هذه المسيرة، يبقى حياد لبنان الفاعل ضمانةً لرسالته التاريخية. فبحياده الفاعل ينجو من أثقال الصراعات والمحاور التي استنزفته؛ وبحياده يعود جسرًا للقاء لا ساحةً للمواجهة، ومنبرًا للحوار لا ساحة للنزاعات. فالحياد الفاعل ليس تخليًا عن القضايا المحقة، ولا انكفاءً عن محيطه، بل هو حمايةٌ لاستقلاله، وصونٌ لوحدته، وتمكينٌ له من أن يؤدي رسالته في التقريب بين الشعوب وخدمة السلام.وأضاف :إن بوابة التعافي السياسي والمالي والاقتصادي في لبنان تبدأ باستعادة الثقة، التي هي أساس تُبنى عليه الدولة والاقتصاد والمؤسسات. هذه الثقة لا يمكن فصلها عن ثقة المواطن بدولته، وبحقوقه، وبأمواله، وبأرضه. وهذه مسلّمة ينبغي أن تبقى حاضرة في كل التشريعات المالية المطروحة أمام مجلس النواب، ولا سيما تلك المتعلقة بالقطاع المصرفي وودائع المواطنين، بحيث تأتي الإصلاحات منسجمة مع أحكام الدستور والقوانين، وتحفظ حقوق المودعين وتصون ودائعهم، لأن إعادة الثقة إلى اللبنانيين تشكل المدخل الحقيقي لأي خطة تعافٍ وطنية شاملة.وختم :أسبوعان يفصلاننا عن الاحتفال المهيب بتطويب البطريرك مار الياس بطرس الحويك، رجل العناية، ومؤسس جمعية راهبات العائلة المقدسة، وعرّاب لبنان الكبير. فإنّا نلتمس شفاعته لكي نعيش هويتنا المسيحية ورسالتنا، كما أشركنا فيها ربنا يسوع المسيح، الذي نرفع إليه المجد والشكر مع أبيه وروحه القدوس، الآن وإلى الأبد، آمين.وبعد القداس استقبل غبطته المشاركين في الذبيحة الإلهية.
الراعي من الديمان: بوابة التعافي السياسي والمالي والاقتصادي في لبنان تبدأ باستعادة الثق

