بين الإنجاز والذاكرة… عصام فارس حالة استثنائية في عكار
عندما يُكتب تاريخ الإنماء في عكار، لا يمكن أن يُذكر اسمٌ قبل اسم دولة نائب رئيس مجلس الوزراء السابق الأستاذ عصام فارس. فالرجل لم يكن مجرد مسؤول تقلّد منصبًا رفيعًا في الدولة، بل كان مشروعًا وطنيًا وإنمائيًا متكاملًا، ومدرسةً في العطاء، ونموذجًا في الوفاء لأرضه وأهلها.
لقد آمن عصام فارس بأن المسؤولية ليست منصبًا ولا لقبًا، بل رسالة، وأن الانتماء الحقيقي يُترجم بالفعل لا بالشعارات. لذلك، لم يبخل يومًا على عكار من ماله الخاص، ولا من وقته، ولا من جهده، ولا من شبكة علاقاته العربية والدولية، واضعًا كل إمكاناته في خدمة الإنسان والإنماء، إيمانًا منه بأن نهضة الأوطان تبدأ من خدمة الناس، وأن التنمية هي الاستثمار الحقيقي في مستقبل الأجيال.
وتشهد عكار، بكل مدنها وبلداتها وقراها، على بصماته الواضحة التي لا تزال ماثلة حتى اليوم. فمن بناء وتجهيز مباني البلديات، إلى تعبيد الطرقات، ودعم المدارس والجامعات، والمستشفيات والمراكز الصحية، وتأمين المنح التعليمية، ومساندة الجمعيات والمؤسسات الاجتماعية والخيرية والإنسانية، وصولًا إلى الوقوف إلى جانب آلاف العائلات والأفراد في مختلف الظروف، كان حضوره حاضرًا في كل مشروع إنمائي، وكل مبادرة إنسانية، وكل استحقاق يخدم أبناء عكار.
لقد كان رجل دولة بكل ما للكلمة من معنى، ورجل مؤسسة بكل ما تحمله الكلمة من دلالة، حتى قيل فيه بحق إنه كان رجلًا بأمة، ورجلًا بألف رجل، لأن ما أنجزه تجاوز حدود الإمكانات التقليدية، وترك أثرًا لا يزال حاضرًا في وجدان الناس قبل أن يكون حاضرًا في الحجر والمشاريع.
ولم يكن عطاؤه مرتبطًا بمصلحة أو بموسم انتخابي أو بمكسب سياسي، بل كان نابعًا من محبة صادقة لعكار وأهلها، وإيمان راسخ بأن هذه المنطقة تستحق أن تكون في مقدمة المناطق المزدهرة في لبنان. ولذلك بقي اسمه حاضرًا في ذاكرة الناس مقرونًا بالفعل والإنجاز، لا بالوعود والخطابات.
ولطالما ردّد عبارته التي بقيت محفورة في ذاكرة أبناء عكار:
“عندما أصل إلى عكار، أشعر بفخرٍ يفوق ما أشعر به عندما أجتمع مع قادة العالم ورؤساء الدول.”
ولم تكن هذه الكلمات مجرد تعبير إعلامي، بل كانت انعكاسًا لعلاقة وجدانية حقيقية مع الأرض والناس، ترجمها بعطاء استمر سنوات طويلة.
وفي سياق هذا الحديث، نؤكد بكل وضوح أن الإضاءة على التجربة الاستثنائية لدولة الرئيس عصام فارس لا تعني، بأي شكل من الأشكال، الانتقاص من قيمة أو مكانة أي شخصية وطنية أو سياسية أو اجتماعية أو إنمائية تعاطت بالشأن العام، سواء في عكار أو على الساحة اللبنانية. فلكل إنسان جهوده، ولكل مسؤول ما قدّمه وفق إمكاناته وظروفه، والجميع يستحقون الاحترام والتقدير على ما بذلوه في خدمة الناس والوطن. غير أن إنصاف التاريخ يقتضي أيضًا الاعتراف بأن بعض التجارب تركت أثرًا استثنائيًا يصعب تجاوزه، وكانت بصماتها أوضح وأعمق وأوسع من غيرها. ومن هذا المنطلق، فإن ما نكتبه ليس إلا توصيفًا لواقع عاشه أبناء عكار، وشهدت عليه الإنجازات القائمة والوقائع التي لا يمكن إنكارها. فاحترام الجميع مبدأ ثابت، أما توثيق التاريخ بصدق فهو واجب، لأن التاريخ في نهاية المطاف هو الحكم العادل الذي يحفظ لكل صاحب فضل فضله، ولكل صاحب إنجاز إنجازه.
وقد اقترب كثيرون من هذه التجربة، واستفاد بعضهم منها، وساهم آخرون في مواكبتها، وربما حاول البعض أن ينسب إلى نفسه شيئًا من وهجها، إلا أن التاريخ يبقى قادرًا على التمييز بين من صنع الإنجاز ومن واكبه، وبين من أسس المسيرة ومن سار في ظلها. فصاحب الأثر يبقى معروفًا، وصاحب المبادرة يبقى اسمه حاضرًا، لأن الشمس لا تُحجب بغربال، ولأن الحقائق لا يطمسها مرور الزمن.
إنصاف التاريخ يقتضي أن نقول كلمة الحق بكل موضوعية وتجرد: إن دولة الرئيس عصام فارس شكّل حالة استثنائية في تاريخ عكار الإنمائي، ورسّخ نموذجًا يصعب تكراره في الإخلاص والعطاء والعمل الصادق. لقد أعطى من ماله، ومن وقته، ومن جهده، ومن علاقاته، دون منّة أو استعراض، فاستحق أن يبقى اسمه حاضرًا في ذاكرة الناس، وأن يقترن بالعطاء والوفاء والإنماء.
أطال الله في عمر دولة الرئيس عصام فارس، تقديرًا لما قدمه من جهد صادق ومحبة حقيقية وإخلاص نادر لأبناء عكار، الذين سيبقى كثير منهم يذكرون أن لهذا الرجل فضلًا كبيرًا في مسيرة الإنماء التي عرفتها منطقتهم، وأن بصماته ستظل شاهدة ما بقيت تلك المشاريع قائمة.
ويبقى القول الحق، بعيدًا عن العاطفة والمجاملة، أن لكل إنسان اسمه، ولكل قائد تاريخه، ولكل شخصية أثرها، غير أن التاريخ لا يساوي بين التجارب، بل ينصفها بميزان الإنجاز. ومن هنا، فإن عصام فارس يبقى حالة استثنائية في تاريخ عكار، وسيبقى اسمه حاضرًا كلما ذُكر الإنماء الحقيقي والعمل الصادق والوفاء للأرض والإنسان. فالتاريخ لا ينسى أصحاب الأثر، بل يخلّدهم، لأن الأوطان تُبنى بالرجال الذين يتركون بصمةً صادقة في حياة شعوبهم، وعصام فارس كان، وسيبقى، واحدًا من هؤلاء الرجال.
المصدر : انا والخبر

