الرئيس السنيورة لروسيا اليوم: الزيارة لواشنطن تأتي في وقت مناسب وفرصة لبناء علاقة جيدة مع الولايات المتحدة قادرة على أن تكون في مصلحة لبنان، وذلك من أجل تحقيق الانسحاب الإسرائيلي الكاملمن جميع الأراضي اللبنانية
نتمنى أن تعود إيران دولة طبيعية في المنطقة،بحيث تستطيع أن تمارس سلطتها ونفوذها الكاملفي داخل إيران، وتكون قادرة على أن تبني علاقاتسويَّةً بينها وبين جيرانها الدول العربية المجاورةلها، بعيداً عن ممارسة التسلّط على أي منها———–
-كان مفروضاً على حزب الله أن يدرك وضعلبنان الدقيق ومدى هشاشة الوضع الذي باتفيه، وهذا ما بات يؤثر سلباً على قوتهالتفاوضية، وأيضاً أن يدرك الحزب قدرةإسرائيل على تجييش العالم إلى جانبها
————لبنان له الحق المطلق في أن يُفاوَضعن نفسه وبنفسه، لا أن يقوم بذلك طرف آخر عن لبنانواللبنانيين خدمة لمصالحه————
والسؤال الآن هو: كيف يمكن أن نعزز قدراتنا التفاوضية،وكيف يمكن أن نؤكد على المبادئ والأمور الأساسية التي ينبغي علينا أن نعززها ونؤكد عليها. ولاسيما لجهة تحقيق الانسحاب،واستعادة الدولة لدورها ولسلطتها الكاملة،وعودة النازحين إلى قراهم وبلداتهم، وبدء إنجاز عملية الإعمار،ودعم الجيش اللبناني، ودعم لبنان في سيادتهوحرياته واستقلاله بشكلٍ عام———–
-أن هناك أمراً مهماً جداً في أن تكون هناك مبادراتمن قبل الدولة مبنية فعلياً، على ثلاث مبادئ تختصرهاثلاث كلمات أساسية: الحزم والحكمة والحنكة———–
-لم يعد هناك من إمكانية ولا مصلحة لاستمراروجود سلاح خارج سلاح الدولة———–
-س: أعزائي المشاهدين، أهلا بكم. ماذا بعد لقاء الرئيس اللبناني جوزاف عون مع نظيره الأمريكي دونالد ترامب؟ وما هي التداعيات المحتملة بالنسبة للوضع الداخلي في لبنان، ولاسيما في ظل رفض حزب الله للخيارات التي اعتمدتْها رئاستي الجمهورية والحكومة؟ وإلى أي مدى سيبقى لبنان بمنأى عن نيران التصعيد الحاصل في المنطقة بين طهران وواشنطن؟ هذه المحاور وغيرها نناقشها في هذه الحلقة، مع ضيفنا رئيس الحكومة اللبنانية الأسبق دولة الرئيس فؤاد السنيورة.دولة الرئيس، أهلا وسهلا بك.
ج: أهلاً وسهلاً بك، وشكراً على هذه الاستضافة.س: دولة الرئيس، بدايةً أريد أن أسمع تقييمك لهذا اللقاء بشكل عام، مع أنه يأتي بعد نحو 18 عاماً. يعني من العام 2008 لم يقم أي رئيس جمهورية لبناني بزيارة البيت الأبيض؟ج: لا شك أن هذه الزيارة لواشنطن تأتي في وقت مناسب، وأنها فرصة لبناء علاقة جيدة مع الولايات المتحدة تكون قادرة على أن تكون في مصلحة لبنان، وذلك من أجل تحقيق الانسحاب الإسرائيلي الكامل من جميع الأراضي والمرافق اللبنانية. وهو الأمر الأول الذي يتوخاه اللبنانيون. وأيضاً من أجل أن تستعيد الدولة دورها وسلطتها الكاملة والحصرية على جميع أراضيها وعلى مرافقها.
وكذلك من أجل العمل على تعزيز قدرات الجيش اللبناني لكي يقوم بالعمل الذي يتوخاه منه اللبنانيون في فرض الأمن والاستقرار في جميع أنحاء لبنان.تأتي زيارة الرئيس جوزاف عون إلى الولايات المتحدة في وقت عادت فيه الإدارة الأميركية لتبدي اهتمامها بالمنطقة العربية ككل، ومن ذلك أيضاً لبنان، ومن أجل احتواء تداعيات ما يجري من تطورات وصدمات كبرى تحصل في المنطقة.لقد كان انطباعي الأول عن هذه الزيارة أنها أظهرت بما يسمى بأنَّ هناك كيمياء إيجابية قد حصلت ما بين الرئيسين تراكبت مع بعضها.
وهذا أمر جيد، لأنّ قسماً كبيراً من العلاقات الجيدة بين الدول تأتي من خلال العلاقات الصحيحة والقوية التي ينسجها رؤساء الدول مع بعضهم بعضاً. ولهذا، وبمقدار ما يكون هناك إمكانية لإيجاد حوار جدي بين رؤساء الدول تكون مبنية على الثقة، يكون ذلك مفيداً من أجل تحسين العلاقات بين هذه الدول.تأتي هذه الزيارة في ظرف ليس سهلاً على لبنان، بل هو ظرف صعب ومعقد جداً، وأيضاً يأتي في ظرف بات فيه فتور في العلاقات بين الولايات المتحدة وإسرائيل، وهذه كلها تعطي فرصة للبنان في إحداث متغيرات إيجابية على صعيد العلاقات بين الولايات المتحدة ولبنان. ولا ننكر أنه في هذا المجال، وخلال السنة ونصف السنة الماضية تقريباً، قد حصلت متغيرات كبرى في المنطقة العربية، ولاسيما في المشرق العربي، وتحديداً بما يتعلّق بانحسار النفوذ والسلطة والسيطرة التي كانت تمارسها إيران على ثلاث دول عربية.
وأعني بذلك، العراق وسوريا ولبنان، والتي قد بدأت تضمحل لمصلحة أن تبسط هذه الدول سلطتها وقرارها بنفسها، وعلى نفسها، وذلك من خلال مؤسساتها الدستورية. وأعني تحديداً العراق، ولاسيما بما بات يجري فيه من متغيرات وإصلاحات وتحولات، وأيضاً بما يتعلّق بسوريا، بما بدأ يحصل فيها، وكذلك ما يحصل الآن في لبنان.س: ولكن، على الرغم من كل ذلك، لا يزال الإيراني لاعبا في هذه الملفات؟ج: صحيح انّه لازالت إيران لاعباً مهماً في المنطقة، ولكن لا يمكن لنا إنكار عمق هذه المتغيرات والتحولات التي باتت تعصف بها وبالمنطقة العربية.
وفي هذا الصدد، نتمنى أن تعود إيران دولة طبيعية في المنطقة، بحيث تستطيع أن تمارس سلطتها ونفوذها الكامل في داخل إيران، وتكون قادرة على أن تبني علاقات سويَّةً بينها وبين جيرانها الدول العربية المجاورة لها، بعيداً عن ممارسة التسلّط على أي بعض منها. وهذا ما نتوخاه، بحيث ينحصر اهتمام المسؤولين الإيرانيين بإعادة صياغة علاقاتهم مع الدول المجاورة العربية، لتمارسَ بشكلٍ صحيح، وبأن يدركوا حجم وتداعيات وعمق ما حصل في المنطقة، وأن يستخلصوا الدروس اللازمة من كل ما حصل حتى الآن، من أجل التركيز على بناء علاقات ندية بين إيران والدول العربية تكون في صالح جميع هذه الدول، وفي صالح جميع شعوب هذه المنطقة.
س: هل يمكن بناء علاقات بين إيران والدول المحيطة، تحديدا الدول العربية، بعدما نشهده اليوم من استهدافات لتلك الدول؟
ج: بلا شك أن الجغرافيا تفرض نفسها دائماً وعلى الجميع. هناك عامل الجوار الجغرافي الذي يجب أن يتعزّز. وعلى الجميع أن يقرّ بحقيقة أساسية أن لا أحد يختار جاره. الجيران بحاجة إلى أن يدركوا أن لهم مصلحة حقيقية في أن يبنوا علاقات سوية وبناءة بين بعضهم بعضاً. أما أن تكون هناك خلافات أو صدامات بين هؤلاء الجيران فهذا لا يعود بالخير على أي منهم على الإطلاق.
وبالتالي أودّ هنا أن أوضح أمراً، وهو أنّ ما يجري الآن من اعتداءات ترتكبها إيران، وتوغِلُ فيها وبدون روادع، ضد الدول العربية الخليجية، بما في ذلك العراق والأردن. فهذا أمر مرفوض ومُدان، وعلى إيران أن تتوقف فوراً عنها وتعود إلى ممارسة ما هو مفيد لها ومفيد لجيرانها، وتمتنع بالمطلق عن توريط هذه الدول في حروب وصدامات لا تريدها ولا مصلحة لها بها. وهو ما يرتد سلباً على إيران والشعب الإيراني في الحاضر والمستقبل.
س: نحن عملياً، دولة الرئيس، بدأنا بتطبيق هذا الاتفاق خلال اليومين الماضيين بما يسمى المناطق التجريبية. هل هذه البداية موفقة، خصوصا أنه لا يوجد تحديد لمهلة زمنية للانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان؟
ج: اتفاق الإطار الذي وقعه لبنان مع إسرائيل برعاية الولايات المتحدة الأميركية خطوة مهمة يجب البناء عليها، وإن كنت أعتقد أنه كان من المفيد والضروري لو جرى التنبه لعدة أمور كان ينبغي ان يصار الى إيرادها في نصوص هذا الاتفاق. أولاً، بالنسبة لعدم استعمال كلمة انسحاب إسرائيلي من لبنان في هذا النص. وأعني هنا، انسحاب إسرائيل من المناطق التي باتت تحتلها في لبنان.
هذه الكلمة لم تُستعمل، وحيث جرى استعمال كلمة إعادة انتشار خارج الأراضي اللبنانية، لكن هذه العبارة غير كافية.
أيضاً، لقد كان من الضروري التأكيد على أن يكون هناك جدول زمني واضح لتحقيق هذا الانسحاب.كذلك كان من الضروري أيضا أن تكون هناك إشارة واضحة إلى القرارات الدولية التي صدرت بشأن لبنان، والتي كان على المفاوض اللبناني التشديد على وجود الإشارة إلى هذه القرارات الدولية المهمة لا أن نهمشها.
وأعني بذلك، القرار الدولي 1701 واتفاق الهدنة في العام 1949، وهما القراران اللذان يحددان حدود لبنان ويعطيان أيضا قيمة لهذه القرارات الدولية بشأن موضوع الانسحاب الإسرائيلي، وبشأن موضوع السيادة اللبنانية.
س: برأيك، هذا الخلل، أليس نتيجة ضعف لبنان على طاولة المفاوضات؟ لأن لبنان عمليا كان على الطاولة من دون أي أوراق قوة؟
ج: هذا صحيح. لبنان وصل إلى نقطة صعبة جداً، وذلك نتيجة الأعمال غير الحكيمة، بل أقول أكثر، الأعمال المتهورة التي قام بها حزب الله في الثامن من تشرين الأول/ أكتوبر عام 2023 وبعدها، وكذلك في مطلع آذار من العام 2026.أتوقف هنا لأقول، لقد كان بإمكان حزب الله، وكان من واجبه أيضاً، أن يستخلص الدروس الحقيقية والصحيحة من الحرب التي تسبب بها في العام 2006، وبالتالي استخلاص الدروس من القرار 1701، وأن يدرك أن هذا القرار الدولي قد صدر بموافقة جميع أعضاء مجلس الأمن الخمسة عشر.أشير هنا إلى أنّه، وبعد أن تورّط حزب الله في تلك المعركة التي زجَّ لبنان في أتونها، فإنّه وقبل صدور القرار الدولي في الحادي عشر من آب 2006، كان الحزب يتمنى ويعمل جاهدا من أجل المسارعة في أن تتوصل الحكومة إلى أن يتبنى مجلس الأمن الدولي القرار لوقف إطلاق النار، لكونه آنذاك قد أصبح في وضع عسكري شديد الصعوبة. المؤسف أنه، عندما تحقق ذلك، وصدر القرار 1701 القاضي بوقف إطلاق النار، عمد السيد حسن نصر الله إلى التنصل من موافقته على النقاط السبع. ومع أن التوصل إلى هذا القرار الدولي في مجلس الأمن لم يحصل بسهولة، إلا أن الحكومة اللبنانية حققته، وكان يتوجب على حزب الله أن يلتزم باحترام هذا القرار.لكن الحقيقة المؤسفة، انّ هذا القرار لم يُحترم بالشكل الكافي أبداً، كما لم تحترمه إسرائيل. لقد كان بالأولى بحزب الله أن يحترم هذا القرار، ويعمل على تنفيذه. وذلك ما لم يقم حزب الله به. كذلك أيضاً فعلت إسرائيل.
وليس هذا مبرراً كافياً لعدم تقيد حزب الله به. وبالتالي فقد جرى بعد ذلك، وبشكل غير متبصِّر، أن حصلت هناك ممارسات ومخالفات واستهدافات عسكرية عديدة لقوات اليونيفيل قام بها حزب الله من جهة، وممارسات أخرى قامت بها إسرائيل من جهة أخرى، وكلّها كانت مخالفة للقرار الدولي 1701.فحزب الله، خلال السنوات، منذ العام 2006، انشغل ببناء قاعدة صاروخية هائلة، وعزّز ترسانته العسكرية من طائرات الدرون، وكذلك عمد إلى بناء عدد هائل من الأنفاق، وهي جميعها لم تردع إسرائيل، ولم تحم لبنان، ولا حتى كانت قادرة على حماية عناصر حزب الله.لقد عمد حزب الله إلى إنشاء هذه الترسانة من الأسلحة من دون أن يتبصر وينتبه إلى قدرات إسرائيل التي عمدت إلى بناء قدرات عسكرية كبيرة لاعتراض هذه الصواريخ.والحقيقة، انَّ حزب الله لم يسأل نفسه سؤالاً مهماً بشأن هذه الصواريخ والدرونات التي كان يتباهى بها، كم من هذه الصواريخ والدرونات يُمكن أن يصل إلى هدفه بوجود الأنظمة الاعتراضية لهذه الصواريخ والدرونات من قبل إسرائيل.
كذلك أيضاً، بما يتعلّق بتلك الصواريخ والدرونات التي يمكن أن تصل إلى أهدافها في إسرائيل؟ ماذا ستكون عليه ردَّة فعل إسرائيل بعد ذلك؟ وهل يستطيع لبنان أن يتحمل ردّة فعل إسرائيل؟بالمقابل، كانت إسرائيل تعمل على تعزيز قدراتها الجوية والصاروخية والنارية والتكنولوجية، وأيضا الاستخباراتية، والذي تبين له لاحقاً كم كان الحزب مخترقاً من قبل الاستخبارات الإسرائيلية، وبالتالي كان على حزب الله أن يتبصر كثيراً ويتنبه إلى عواقب الأمور، وبالتالي لو التزم الحزب بذلك لكان ممكناً أن نجنب لبنان كل هذه المآسي والكوارث الهائلة التي وقعنا فيها.
س: دولة الرئيس، هل نُحمّل حزب الله كل هذه المسؤولية برأيك؟ لأنه كان هناك غياب للدولة اللبنانية بعد الانسحاب الإسرائيلي، إذ لم تُطبِق الدولة بما فيه الكفاية ما يريده اللبنانيون، ولاسيما عندما قام حزب الله بتسليح نفسه، كانت الدولة موجودة؟
ج: لا أُحمِّل الحزب وحدة هذه المسؤولية، ولكنه كان ينبغي على الحزب أن يستخلص الدروس الصحيحة بعد عدوان تموز في العام 2006، والذي كان نتيجة عمل عسكري غير مسؤول قام به الحزب من دون علم الدولة اللبنانية، وينطبق عليه ما قلته آنذاك: “أن الدولة اللبنانية آخر من يعلمْ وأولُ من يُطالبْ”.
على أي حال، بعد وقف الأعمال العدائية في آب/ أغسطس في العام 2006 استناداً إلى القرار الدولي 1701، بادرت الدولة اللبنانية إلى القيام بأكبر عملية، وبشكلٍ غير مسبوق، لإعادة إعمار ما تهدّم بسبب تلك الحرب. فضلاً عن كونها جمعت قوة عسكرية لبنانية قوامها عشرة آلاف جندي لبناني.
هذا بالإضافة إلى أكثر من عشرة آلاف عسكري من التابعين لقوات اليونيفيل، والذين أصبحوا عاملين في منطقة جنوب الليطاني. لكن وللأسف، فإنَّ الحزب لم يرتدع ولم يتبصّر ولم يتنبه. والمشكلة الحقيقية، أنه كانت هناك، إلى جانب ما كانت تقوم به الدولة اللبنانية لإعادة الإعمار ولاستعادة دور الدولة، ولتمكينها من بسط سلطتها، كان هناك وبالمقابل مشروع دائم يتولى تنفيذه حزب الله، وهو الذي كان يسعى إلى تدمير الدولة، وعدم احترام دورها وسلطتها الحصرية. وهذا ما قام به الحزب فعلياً. حزب الله عمد بعد ذلك إلى تضييق الخناق على الدولة اللبنانية، وفرض الحصار على الحكومة اللبنانية في أواخر العام 2006 لمدة ثمانية عشر شهراً، وقام بعد ذلك بغزو بيروت في أيار من العام 2008، ثم أسقط الحكومة اللبنانية في العام 2011، وكل ذلك ظناً منه أنه بذلك سيسيطر على لبنان. والحقيقة أن حزب الله لم يدرك فعليا حجم المخاطر الحقيقية التي كان يورّط بها لبنان. لقد كان بإمكانه أن يعمل جهده كي يكون هناك احتضان له وللآخرين من قبل الدولة، وأن يساعد الدولة اللبنانية على القيام بدورها وفي أدائها لمسؤولياتها بشكلٍ جيد وسليم ومفيد للجميع، وأن يدرك أنه ليس هناك في النهاية من بديل عن وجود الدولة الحاضنة لكل اللبنانيين والعادلة في معاملتهم جميعاً وبالتساوي.
س: دولة الرئيس، عملياً، وبصرف النظر عن هذا كل السياق التاريخي، فإن تطبيق اتفاق الإطار هذا يستلزم ولا بد من تعاون حزب الله، لأنه المعني بشكل مباشر بهذا الموضوع. واليوم بدأنا نسمع، وهذا من الأساس، موقف حزب الله الرافض لهذا الاتفاق ولكل ما ينتج عن هذه المفاوضات. ومؤخراً كان هناك أيضا موقف لعضو كتلة “الوفاء للمقاومة” النائب حسن عز الدين، يقول فيه إن إصرار رئيس الجمهورية على المضي في خيار مفاوضات مباشرة ونزع سلاح المقاومة يهدد التوافق الوطني؟
ج: من دون شك، ان الأمر يقتضي أن ينخرط الجميع في دعم جهود الدولة لتحقيق الإنقاذ المنشود الذي يصبوا إليه اللبنانيون.بدايةً، بالنسبة للمفاوضات المباشرة، طبعاً لم يكن اللبنانيون يتصورون أنهم يمكن أن يصلوا ليكونوا في هذا الموقع، وبالتالي الاضطرار إلى القبول بإجراء المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، ولاسيما بعد أن خسرت الدولة اللبنانية الكثير من الأوراق التفاوضية القوية التي كانت لديها بسبب الممارسات التي ارتكها حزب الله. المشكلة الأساس هي في من أوصل لبنان إلى هذا الدرك السحيق. وبالتالي لا يُمكن لنا تجاهل الأخطاء التي ارتكبها حزب الله في توريطه للبنان في حروب لا يريدها لبنان واللبنانيون، ولا طاقة له أو لهم في أن يتحمّلوها. هذا من دون أن أنكر ما كان يتوجب على إسرائيل من مسؤوليات، وأن هناك جرائم فظيعة ارتكبتها إسرائيل ولاتزال ترتكبها ضد لبنان. وهذا أمر أحمّل مسؤوليته لإسرائيل، التي عوّدتنا أن تضرب بعرضِ الحائط الكثير من الاتفاقيات والقرارات الدولية.لقد كان مفروضاً على حزب الله أن يدرك وضع لبنان الدقيق ومدى هشاشة الوضع الذي بات فيه، وهذا ما بات يؤثر سلباً على قوته التفاوضية، وأيضاً أن يدرك الحزب قدرة إسرائيل على تجييش العالم إلى جانبها. ذلك إلى جانب ما تتمتع به إسرائيل من قدرات عسكرية واستخباراتية وتكنولوجية لا يستطيع لبنان ولا حزب الله مجاراتها أو التصدي لها. لذلك، فقد كان على حزب الله أن يتبصر، وبالتالي أن لا يقدم على توريط لبنان بشيء لا يمكن للبنان أن يتحمله.على أي حال، بالنسبة للمفاوضات المباشرة، ما أريد قوله فعليا هو أن لبنان كان قد أقدم على عقد اتفاق بينه وبين إسرائيل في العام 2022 من أجل تحديد الحدود البحرية للمنطقة الاقتصادية الخالصة للبنان. المؤسف أنّ من وقَّع اتفاقاً بين دولة لبنان ودولة إسرائيل أو من أيَّده وشجَّع عليه، لا يمكنه أن يقول الآن انَّه لا يجوز للبنان أن يُجري مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، ولاسيما وتحديداً، حزب الله والرئيس نبيه بري، أنّ من هلَّل وأيَّد هذا التوقيع بين البلدين لا يستطيع أن يأتي اليوم ويقول إنني لا أوافق على إجراء المفاوضات المباشرة مع إسرائيل.نحن، كما قلت لك، لقد بات وضعنا في لبنان صعب جداً. ولذلك، فقد أصبح لبنان مجبراً في أن يبادر إلى إجراء مفاوضات مباشرة مع إسرائيل. ولذا، فإنَّ علينا أن نعمل جاهدين من أجل أن نحضّر البيئة اللبنانية من جهة، والبيئة العربية والدولية من جهة أخرى، لتكون إلى جانبنا في إجراء هذه المفاوضات لتحقيق وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل.
تجدر الإشارة إلى أنني أعتقد أن اعتراض حزب الله على إجراء المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، هو بالفعل ناتج عن أنّ أولئك المعترضين لا يريدون أن تُسحب الورقة اللبنانية من يد المفاوض الإيراني. المفاوض الإيراني له مصالحه، وهو يريد أن يستعمل الورقة اللبنانية لما فيه مصلحة إيران.أما نحن، فعلينا أن ننظر إلى الأمور من زاوية مصلحتنا، أي مصلحة لبنان. وبالتالي نريد أن نحتفظ بهذا الحق في أن لبنان له الحق المطلق في أن يُفاوَض عن نفسه وبنفسه، لا أن يقوم بذلك طرف آخر عن لبنان واللبنانيين خدمة لمصالحه.هذا فضلاً عن أنّ أولئك الذين يتحدثون بهذا الأمر كانوا يقصدون أن يُربطَ لبنان بورقة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران، والتي أصبح اسمها “ورقة عدم التفاهم بين أميركا وإيران”، وهي التي أصبحت على طريق الإلغاء. ربما لذلك أيضاً لم يعد هناك من داعٍ لربط لبنان بهذه الورقة. لذلك، فإنَّ هذا المسار الذي يختطه لبنان الآن هو المسار الصحيح، وذلك في إجراء المفاوضات المباشرة مع إسرائيل برعاية الولايات المتحدة الأميركية. ولكن علينا أن نختار بدقة من سيتولى إجراء المفاوضات باسم لبنان من اجل ضمان أن يكون على قدر المسؤولية بخبرته وحرفيته في إجراء المفاوضات.والسؤال الآن هو: كيف يمكن أن نعزز قدراتنا التفاوضية، وكيف يمكن أن نؤكد على المبادئ والأمور الأساسية التي ينبغي علينا أن نعززها ونؤكد عليها. ولاسيما لجهة تحقيق الانسحاب، واستعادة الدولة لدورها ولسلطتها الكاملة، وعودة النازحين إلى قراهم وبلداتهم، وبدء إنجاز عملية الإعمار، ودعم الجيش اللبناني، ودعم لبنان في سيادته وحرياته واستقلاله بشكلٍ عام.أقول هنا، انّ على لبنان والمفاوض اللبناني ورئيس الجمهورية في هذا الصدد، يجب أن يستعينوا ليس فقط بمن يؤيد رئيس الجمهورية والحكومة، بل يجب أن يستعين المفاوض اللبناني أيضاً بالمعارضة اللبنانية الرافضة لهذا التفاوض والرافضة لهذا الإطار، من أجل أن يكتسب أوراقاً تفاوضية إضافية تكون بيده. وأعتقد أن رئيس الجمهورية والمفاوض اللبناني يجب أن يستندا إلى هذه المعارضة من أجل تحقيق مكاسب تفاوضية على مدى المفاوضات التي سيخوضها لبنان، البلد الديمقراطي المتنوع، لتتحقق الأهداف التي يتوخاها اللبنانيون.وأريد أن أذكر هنا مثالا على ذلك: انه وخلال ما كان يجري من مفاوضات بين المفاوض المصري والإسرائيلي في عملية تحقيق الانسحاب الإسرائيلي من سيناء، كان بيغن يقول: “أنا أمثّل خمسين بالمئة من الإسرائيليين. ولذلك، فإنّي أريد منكم أن تساعدوني حتى أُقنع الخمسين بالمائة الباقين من الإسرائيليين”. وهذا أمر مهم جدا في المفاوضة من أجل إيجاد أوراق إضافية للمفاوضة. وكذلك أيضاً في الاستفادة من العلاقة التي تربط لبنان مع الولايات المتحدة من أجل إكساب الحكومة اللبنانية ثقة الداخل اللبناني، ولاسيما بما يتعلق بالحفاظ على لبنان، كبلد ديمقراطي برلماني يحترم التنوع ويحترم الرأي الآخر، وأن يؤدي ذلك إلى إكساب لبنان قدرات تفاوضية إضافية في هذا الصدد، وإكساب لبنان عوناً ودعماً صحيحاً وقوياً من الولايات المتحدة، وهو ما يمكن أن يعطي الحكومة اللبنانية مزيداً من القدرة على الإقناع للبنانيين المؤيدين للحكومة، وكذلك المعارضين لها بأنّ هذا هو المسلك الوحيد والممكن لتحقيق الانسحاب الكامل الإسرائيل، وتحقيق باقي المطالب اللبنانية.أعني بذلك، أنَّ على الحكومة اللبنانية أن تمد يدها إلى جميع اللبنانيين، بمن فيهم المعارضة، وأن تكون هناك سردية وطنية صحيحة وقوية، وبما يعني القيام بحملة وطنية كبيرة، وبذل جهد لبناني كبير، من أجل الإقناع، والابتعاد عن كل العبارات والممارسات التي لا تفيد، بل تجنب كل ما يؤجّج الخلافات بين اللبنانيين، والتي ينبغي تجنبها. فكما يقال بالعربي: “كلمة بتحنّن وكلمة بتجنّن”.
من المهم جدا أن يصار إلى مد اليد، وأن يُشرح للناس أنه قد آن الأوان لاستخلاص كل الدروس والاستنتاجات الصحيحة مما جرى، وأنه بات من المهم جداً أن تعود الدولة إلى دورها ولممارسة سلطتها الحصرية ونفوذها. فالدولة وحدها هي القادرة على أن تُمكّنَ لبنان من إعادة اللبنانيين النازحين إلى الجنوب، وهي التي تمكن لبنان من إعادة الإعمار، وهي التي تمكّن لبنان من كسب ثقة اللبنانيين وثقة الأشقاء والأصدقاء في العالم.فبعد سنوات من الصدام والحروب، والتي كان فيها الشعار السائد العمل على تأجيج الخلاف بين لبنان والعالم العربي وبين العالم، ولاسيما بسبب الممارسات التي كان يقوم بها حزب الله في الداخل وبدفع من إيران ضد الدول العربية، وهي التي لم يكن هناك من داعٍ على الإطلاق لأن نخوض مثل هذه المواجهات، ولاسيما حين عمد حزب الله على إفساد علاقات لبنان مع العالم العربي ومع العالم.
بدلاً من ذلك، كان ينبغي علينا أن نعزز ثقة اللبنانيين ببعضهم بعضاً، وأن نشعر جميع اللبنانيين أنه لا خيار أمامهم سوى أن يكونوا موحدين.فلبنان أقوى ما يكون عندما يكون موحداً بين جميع أبنائه، وليس عندما يكون مشرذماً. فالنتيجة ليست البندقية هي التي تحمي لبنان، بل هي وحدة اللبنانيين، وهو الأمر الأساس الذي يحمي اللبنانيين، إذ أن في توافقهم يمكن العمل على إنقاذ لبنان.
س: من أجل هذه الوحدة، دولة الرئيس، ومثلما قلت، هناك حاجة إلى مد اليد. برأيك، من يمد اليد، هل يجب أن يقوم به رئيس الجمهورية أولا؟ رئيس الجمهورية هو المؤتمَن على هذا البلد وعلى أمنه، وبالتالي لا نسمع باستثناء أن أبواب القصر الجمهوري مفتوحة، لكن ليس هناك شيء صريح ومباشر تجاه الطرف الآخر؟
ج: دون شك، التانغو يحتاج إلى اثنين، وكل واحد عليه أن يقوم بخطوة باتجاه الآخر لتحقيق التوافق على المبادئ الوطنية الأساسية، الدولة والمعارضة. وكذلك، فإنَّ على الدولة أن تعود لكي تكون صاحبة السلطة الوحيدة في لبنان، والتي لها الحق في استعمال السلاح عندما يقتضي الأمر ذلك. وفي هذا السبيل يجب أن نبادر إلى مدّ يد التواصل والاحتضان إلى جميع اللبنانيين تحت شعار استعادة الدولة لسلطتها ولدورها العادل والقوي لمصلحة جميع اللبنانيين.أعتقد أن هناك أمراً مهماً جداً في أن تكون هناك مبادرات من قبل الدولة مبنية فعلياً، على ثلاث مبادئ تختصرها ثلاث كلمات أساسية: الكلمة الأولى، وهي “الحزم” أي أن تتمسك الدولة اللبنانية بالمواقف السيادية التي اتخذتها أصلا، وهي أنها هي التي تفاوض عن نفسها، وأنه لا سلطة أخرى غير سلطة الدولة اللبنانية، وأن لها وحدها قرار الحرب والسلم. هذه قرارات اتخذتها الحكومة، ويجب أن تكون الحكومة صامدة ومثابرة على اعتماد هذه المبادئ.الأمر الثاني، وفي إطار ممارسة الحزم، وبالتوازي معه، ينبغي على الحكومة أن تمارس “الحكمة”، وهي في أن يصار إلى مدّ اليد للبنانيين، بمعنى أن تقول الحكومة ورئيس الجمهورية للبنانيين: تعالوا لنرى كيف نجتمع ونتعاون سوية، وكيف نتعاون فيما بيننا. فليس لدينا خيارات أخرى، ولا يمكننا أن نستمر في إضاعة الفرص على شبابنا الذين لا يذهبون إلى مدارسهم. وهكذا بات اللبنانيون يخسرون في حاضرهم وفي مستقبلهم. هذه أكلاف حقيقية، حتى لو كنا لا نحسبها، هذه هي الأكلاف الأساسية التي نتحملها نحن، بل وتتحملها معنا الأجيال القادمة، وبالتالي على الجميع أن ينضوي تحت لواء الدولة.وفي الوقت نفسه الأمر الثالث، في أننا نحتاج إلى قدر عالٍ من “الحنكة” التي تمكّننا من أن نتلافى الوقوع في الأفخاخ التي يمكن أن تُنصب للدولة اللبنانية، أو التي يمكن أن تحرفنا عن المسار الذي ينبغي أن نأخذه ونثابر عليه.كذلك في أنّ هناك أموراً ينبغي أن تدركها الدولة في أن “ما لا يدرك كلُّه لا يدرك جلُّه”.فإذا كانت الدولة غير قادرة الآن على أن تبسط سلطتها على منطقة الضاحية الجنوبية مثلاً، فهذا لا يعني أنه لا تبادر الدولة إلى أن تبسط سلطتها على شارع الحمرا مثلاً.نقول هنا أننا نريد في الوقت ذاته أيضاً أن نمد اليد للجميع. أعطي هذا المثال، فقط لأبيّن أهمية أن تكون هناك اندفاعة قوية ومثابرة من قبل الدولة، وأن يكون هناك تواصل مع الجميع، ولكن وفق قواعد محددة وليس بشكلٍ عشوائي، وليس بلا ضوابط. لا بد أن يكون هذا هو الأساس؛ إذ يجب أن تعود الدولة لتكون هي الضمانة الأساسية للجميع، وعليها أن تبذل قصارى جهدها في هذا السبيل. لكي تكتسب الدولة ثقة اللبنانيين، والتي هي الأساس في عملية اكتساب ثقة الأشقاء والأصدقاء الذين نحن بحاجة إليهم لتعزيز سيادتنا، ولإنجاز عملية عودة النازحين وإعمار ما تهدَّم.
دعوني هنا أستخلص بعض النتائج التي ينبغي، برأيي، أن تُستخلص بعد كل ما جرى، وأعتقد أن هذه النتائج لا تسري فقط على لبنان، بل تسري على أكثر من بلد عربي.الدرس الأول والأساسي: في أنّه لم يعد هناك من إمكانية ولا مصلحة لاستمرار وجود سلاح خارج سلاح الدولة. وهذا الأمر يسري ليس فقط على لبنان بل على عدد من الدول العربية، ومن دون تسمية؛ إذ لم تعد هناك إمكانية ولا فائدة على الإطلاق لاستمرار وجود منظمات مسلحة من خارج إطار الدول.الأمر الثاني: ينبغي أن نكون واضحين، بعد كل هذه المآسي التي تعرضنا لها نحن في العالم العربي منذ نكبة 1948، ونكسة 1967، وحرب 1973، بأنّه قد آن الأوان لأن نستخلص، ونعمل جردة حساب بشكلٍ واقعي، إلى ماذا أدّت إليه تلك المواجهات العسكرية والحروب على مسار الصراع العربي الإسرائيلي والصراع الفلسطيني الإسرائيلي؟في الحقيقة، لم تؤدِّ تلك الحروب والمواجهات إلا إلى المزيد من الاحتلال الإسرائيلي لأراضي جديدة، والتي كان من نتيجتها أيضاً المزيد من خسارة الفرص، والدمار، والقتلى، والمشوهين، وغيرهم؟ أليس كذلك؟ألم يئن الأوان لنستخلص من ذلك الدروس الصحيحة أن هذا الصراع العربي- الإسرائيلي والفلسطيني- الإسرائيلي لم يعد من الممكن خوضه عبر الأدوات العسكرية، وأنه أصبح يقتضي أن نعتمد أساليب وأدوات جديدة؟ فلننظر ماذا حققته ثورة الحجارة التي قام بها أطفال الحجارة في فلسطين، وماذا حقق هذا الصراع العسكري في المقابل، لم يعد هناك من إمكانية للاستمرار في هذا السبيل.أتوقف هنا لأقول، هذا لا يجوز أن يعني مطلقاً أنَّ هذه هي نهاية الصراع العربي- الإسرائيلي. على العكس من ذلك، فإنّ هذا الصراع لايزال مستمراً، وهو سيستمر، ولكن بوسائل وطرق أخرى حتى ينال الشعب الفلسطيني حقوقه المشروعة، حيث لا يمكن توقع الاستمرار في أداء الشيء ذاته، وبعدها أن نظام ان بإمكاننا أن نحقق نتائج مختلفة.الأمر الثالث الذي يمكن أن نستخلصه أيضاً، في أنه لم يعد هناك من إمكانية لاستمرار وجود دول ضعيفة أو فاشلة، بل هناك حاجة إلى أن تعود الدولة قوية بحق ولتقوم بدورها وتمارس سلطتها بشكلٍ ديمقراطي طبيعي وبقواها الذاتية، ولتكون هي صاحبة السلطة الوحيدة في كل دولة من هذه الدول، وهي الدول التي عانت من كل هذه المشكلات على مدى هذه السنوات والعقود الماضية بسبب أنها أصبحت دولاً فاشلةً بهذا المعنى.الأمر الرابع، وهو ضرورة اعتماد نهج الإصلاح وسيلة للتعامل مع هذا السيل الكبير من المتغيرات والتحولات والمشكلات العميقة في لبنان والعالم العربي وعلى كل الأصعدة، حيث لا يمكن التعامل مع هذه المتغيرات إلاّ من خلال اعتماد مقاربات إصلاحية حقيقية، بما يمكن الدول من استعادة ثقة مواطنيها بها وثقة الأشقاء والأصدقاء الذين تحتاجهم من أجل إنقاذ لبنان، وتحقيق نهوضه الوطني والسياسي والاقتصادي والاجتماعي.س: دولة الرئيس، أريد أن أسألك عن موضوع مهم؛ إشارة الرئيس ترامب للمرة الثالثة إلى إمكانية تدخل سوريا في لبنان، حتى إن البعض يقول إن هذا مساس بالسيادة، وإن عدم رد رئيس الجمهورية عليه لافت، خصوصا أن هذا الكلام قيل أمامه مباشرة؟ج: ربما كنت أنا أول من ردّ على ما قاله الرئيس ترامب في هذا الشأن؛ فقد أبديت وجهة نظري بشكل واضح وصريح بأن هذا الأمر لجهة تدخل سوريا من جديد بلبنان أمر غير مفيد، بل هو أمر مضر، ولا يقبل به أحد من اللبنانيين، ولا أعتقد أن السوريين هم في وارد ذلك، وأنا على ثقة أنّ الرئيس الشرع لا يريد هذا الأمر، وليس هذا الأمر في مصلحة السوريين أو في مصلحة حسن العلاقة التي تربط بينهم وبين اللبنانيين.أنا أعتقد أنّ لا أحد يقدم على مغامرة كبيرة من هذا النوع بما يضع بلده ولبنان في ورطة إضافية، والسوريون لديهم مشكلات عديدة، ولديهم أولويات عديدة أكبر وأهم من لبنان بالنسبة لهم. وهم ليسوا في وارد ذلك، وهذا ما عبّر عنه أيضا الرئيس الشرع.وأعتقد أن على لبنان واللبنانيين أن يدركوا، وكذلك أن يدرك أشقاؤه جميعا، أن لبنان صيغة فريدة في العالم العربي، تقوم على احترام التنوع واحترام الرأي الآخر، وأن لدى لبنان نظاماً ديمقراطياً برلمانياً ولديه دستوراً مدنياً، وهو حريص على هذا الأمر، ويحرص أيضاً أبناؤه على أن يبقى كذلك. وكما يحرص أشقاؤه العرب أيضاً على لبنان وهم لا شك يدركون أهمية الحفاظ على هذه الصيغة الفريدة في العالم العربي، بل ربما الفريدة في العالم.كذلك، ومن جهة أخرى، فإنّي أعتقد أن على لبنان أن يدرك أن له منفذا بريا وحيدا مع العالم العربي، هو عبر سوريا. وبالتالي، لدينا مصلحة مشتركة بيننا وبين سوريا. وعلينا أن نبني هذه العلاقة القويمة بين البلدين الشقيقين على أساس العلاقات الندّية التي تحترم فيها كل دولة استقلال وسيادة الأخرى، وتحترم سيادتها وعدم التدخل في شؤونها الداخلية. هذه هي بعض الدروس التي يجب أن نستخلصها من هذه التجربة الطويلة والأليمة التي عانينا منها. وأعتقد أن السوريين مدركون هذا الأمر جيداً. كما أنّ هناك مجالات عديدة لتطوير العلاقة بينهما لما فيه مصلحة البلدين، وخصوصاً في هذه الآونة التي تتغير فيها كثير من الأمور، وتحصل فيها انفراجات عديدة، ويتاح لها فرص غير مسبوقة لم تكن موجودة من قبل، والتي علينا نحن في لبنان أن نغتنمها ولا نضيعها كما أضعنا كثيراً غيرها.الحقيقة، إنّ من أول الأمور التي أراها مهمة هنا، وتتمثل بالتجربة التي جرت في منطقة الخليج، والتي أقدمت فيها إيران على ارتكاب اعتداءات سافرة على عدد من دول الخليج، وكذلك في الاعتداء على العراق والأردن. وهذا مجدداً أمر مرفوض ومدان ويجب أن يتوقف. لقد اعتدت إيران على المملكة العربية السعودية وعلى الكويت وقطر والبحرين والإمارات وسلطنة عُمان.ليس هكذا تكون العلاقة التي يجب أن تسود بين دول جارة مع بعضها بعضاً، وهذا أمر سيء ليس فيه مصلحة لإيران نفسها؟ فإذا كان المرء يخوض معركة ما، فإنَّ أول ما يفعله هو في أن يكثّر عدد أصدقائه ويقلل عدد أعدائه، لا أن يعمل على العكس فيكثّر أعداءه ويقلل أصدقاءه. هذا الأمر لم يعد ممكناً وليس مفيداً بل هو مدمر حتماً للجميع.وأعتقد أن هذه المتغيرات التي نراها تجرى في الخليج، والتي تظهر مدى أهمية مضيق هرمز، ومدى أهمية أن تحترم كل الدول المشاطئة للخليج العربي في أن تحترم حرية الملاحة فيه، وتحترم القوانين الدولية كقانون البحار. وأن تُحترم أيضا الملاحة في مضيق باب المندب. وقد تبيّن من ذلك كلّه مدى ما لهذه القضية من تأثيرات سلبية كبرى على الاقتصاد العالمي وعلى كل دول العالم التي ارتفع فيها التضخم إلى مستويات خطيرة. وهكذا يتبين مدى اعتماد الاقتصاد العالمي على دول الخليج. وهذا الأمر قد دفع أيضاً ومجدداً إلى التفكير في إيجاد ممرات برية مكمّلة للمسارات البحرية. وهو بذلك يكون فرصاً جديدة للكثير من الدول.وللغرابة، أذكر أنه في أيام الاستعمار البريطاني في مطلع الأربعينات من القرن الماضي، أُقيم مسار لمدّ شبكة أنابيب من كركوك في العراق يمر عبر سوريا وصولا إلى بانياس ثم وصولاً إلى لبنان، وبعد ذلك في نهاية الأربعينيات، عملت الإمبريالية الأميركية على إيجاد خط أنابيب يمتد من الظهران عبر الأردن وسوريا ولبنان. ثم جاءت الدول المتحررة في المنطقة، ولأسباب شتى، وياللأسف، حيث دمّرت هذين الخطين. وأعتقد الآن أن هذه فرصة لإعادة ربط المصالح الحقيقية بين هذه الدول العربية.ولأعطيك مثالاً واقعياً عن ذلك. إذا كان لديك أخ لا تراه كل يوم، ولا مصلحة مشتركة بينك وبينه، فإنك لا تسأل عنه ولا تهتم بصحته، ويتحول بعد ذلك ولأسباب شتى كأنه غريب عنك. أما إذا كانت بينكما علاقة ومصالح مشتركة، فإنك عندها تسأل عنه كل يوم ليس فقط لأنه أخوك، بل لأنك أنت وهو لديكما مصلحة حقيقية في تعزيز هذا التواصل، فكيف إذا كان جارك، ونحن في هذه الحالة إخوان وجيران. فلماذا لا نقوم بذلك؟وبالتالي، علينا أن نهتم بهذه الفرص المتاحة لنا من أجل ربط المصالح ما بين هذه الدول، وهذه مناسبة لنرى كيف نحوّل هذا التحدي الكبير الذي يجري أمامنا ومن حولنا من تحد إلى فرصة، لا أن نكون كأولئك الذين يتميزون، وبشكلٍ عجيب، بما يجعلهم قادرين على تحويل الفرصة إلى مشكلة.س: دولة الرئيس فؤاد السنيورة، شكراً جزيلاً لكم على هذا اللقاء، وشكراً لكم أعزائي المشاهدين، إلى اللقاء.
