أحمد عياش
تشاء حسن الأقدار في العمل الصحفي أن تتاح لي الفرصة قبل أكثر من ثلاثة عقود لمرافقة مسيرة المفكر عمر مسقاوي عندما كان في مستهل تسعينيات القرن الماضي وزيرا على مدى ثلاث حكومات متتالية ترأسها الرئيس رفيق الحريري من 1992 حتى 1998. وها هو اليوم ،وقد اجتاز العام الماضي عتبة التسعينات من العمر، ما زال يشع فكرا يتجاوز مضيق السياسة اللبنانية التي اودعها في كتابه «بنية المجتمع ومسار الدولة في لبنان،» الذي صدر عام 1998 . وينطلق مجددا في حوار يستشرف آفاق العالم الإسلامي الذي كان مسكونا به من يفاعته ما جعله تلميذا نجيبا للمفكر الجزائري مالك بن نبي ملازما له حتى وفاته وتولى، وفقاً لوصيته، نشر كتبه و ترجمة بعضها إلى العربية.العرب وشعوب الشرق الأوسط
ماذا لدى مسقاوي اليوم من جديد ليقوله في رحاب العصر الذي اجتاز العام الماضي عتبة الربع الأول من القرن الحالي؟ نعود الى أوراق لي تضمنت أفكار المفكر الذي اعدت قراءتها معه حديثا فهتف من اعماقه قائلا:» هذا هو العصر الان «.
يقول مسقاوي :»بدايةً أعتقد أن هناك خطأ تاريخي من ناحية مفهوم العالم الإسلامي. العالم الإسلامي عالم جغرافي وليس عالماً له مفهومه الأيديولوجي انه تعبير عن مساحة لواقع حضاري مرً به التاريخ وأبقى فيه ذاكرة مخترقة بواقع الحضارة الغربية المعاصرة.
ان الإسلام اتجاه تختاره ،لكن الوطن الجامع للغة هو المستقر الذي نعبر به عن هذا الاتجاه في حضورنا العالمي. لا بد أولا أن نؤسس لوحدة الوطن العربي كدائرة اُولى لننطلق الى جميع الدوائر التالية في إطار جديد يوظف الذاكرة الحضارية بفعالية الحاضر. وهذا الأمر لا ينطلق من مجرد شعار للوحدة مفهومها التجميعي والذي تذروه رياح الغرب الباردة عند كل عاصفة كما يجري اليوم بل من خيار تغييري طبقاً للمبدأ القرآني «انّ الله لا يُغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.»
ان جميع المؤتمرات العربية أو الإسلامية لم تستطع أن توظف أي في اتجاه العصر الحديث. نتحدث عن المعاصرة لكن دون أن نُدرك مضمونها حتى اللغوي.
المعاصرة من باب المفاعلة في اللغة وهي تعني عملاً تبادلياً يقوم على المشاركة في إيجاد واقع راهن. هذا التوازن الحضاري ينقصه وزننا فيه.
من هنا فالوحدة تنطلق من استقرار الأرض وقرار الرؤية.
بالفلسفة الألمانية التي قامت على نبذ الية المنطق الأرسطي والروحانية الافلاطونية لذلك كانت السلفية المبنية على أصولية النص ورفض القياس هي التي حظيت باهتمام عصر التنوير.
فالنهضة التي اعتُيرت كمنطق للفكر الإسلامي والعربي الحديث، قد تزاوجت وترابطت مع النهضة الإسلامية في عصر محمد عبده وجمال الدين الأفغاني والهند وفارس في ظل السلطنة العثمانية وما بعدها وكان جمال الدين الأفغاني هو الرابط بينهما جميعاً في مواجهة الاستعمار البريطاني سواء في مصر أو تركيا أو فارس أو الهند.
وهذا ان كان يدل على شيء فعلي أن المرحلة هي مرحلة تجميع في مواجهة الاخر عبر معايير فكرية بقيت كما أقول دائماً خارج الذات الإسلامية وجزء من ارستقراطية المثقفين.
اذاً ،المشكلة أخذت مفهوماً سياسياً وليس مفهوماً تاريخياً حضارياً وهكذا بدأت الرؤية في مواجهة الغرب تنحو الى أساسين:
الأساس الأول، إقامة رابطة إسلامية مبنية على الجغرافيا والعدد
الدرس الثاني، اكتفائية استعلائية نحو من هم خارج هذه الرابطة.
فبالنسبة للأساس الأول ، اتخذ مفهوم الوحدة الإسلامية معيار القوة العددية تجاه أوروبا والحضارة الغربية من مفهومها السياسي. لكن تجاه المفهوم الغربي الذي نشأ مع عصر الأنوار قد تداخل من هذا التجميع الجغرافي والبشري فأوجد مساحة من حضور أوروبا ضمن أسوار هذه الاكتفائية يعبر عن مدى عقدة النقص وضعف الثقة الخفي الذي أشرنا اليه . فضلاً عن افتقاد برنامج محدد .
وبالنسبة للدرس الثاني ، فان الاكتفائية الاستعلائية قد أخرجت من سوارها شركاء الأرض في الهند وهم الهندوس .كما أخرجت من ناحية أخرى، القدرة على التعامل مع تداخل حضور أوروبا ضمن أسوارها على أساس نقدي مبني على استراتيجية ومشروع ثقافي معاصر.
هذا الواقع الذي تفاعل من بداية القرن العشرين وعقب الحرب العالمية وجد نتائجه في نهاية الحرب العالمية الثانية .
فمؤتمر يالطا ونشوء الحرب الباردة وضع مبادرة الوحدة الإسلامية ثم الوحدة العربية بيد المنتصرين.
وهكذا خرج الإسلام في ظل مفهوم الوحدة الإسلامية من الهند ليدخل منظومة الشرق الأوسط.
فمنذ الخمسينات وفي أعقاب تقسيم الهند وقيام دولة باكستان دعت باكستان الى قيام الوحدة الإسلامية من شرقي البحر المتوسط الى حدود الصين في اطار مفهوم اقتصادي انمائي.
ففي بداية الخمسينات أصبح المدى البري أو البحر البري كما يسميه توينبي ينطلق من شرقي المتوسط الى حدود الصين والهند الجديدة والشرق الأوسط في اللغة السياسية. ان هذه المنطقة هي منطقة فراغ في الصراع بين القوى ومن أجل ملء هذا الفراغ ضمن الأسوار الاكتفائية ،كانت إسرائيل هي الحقيقة المعاصرة بفعل تطورها المتصاعد في اطار الإنتاج والسلاح. سياسة
فالهزيمة أمام إسرائيل والغرب سببها الانفجار في البدع والانبهار بالحضارة الغربية لذا نشأت منظومة التفكير والهجرة.
هل بالإمكان الحديث عن اسلامين: الإسلام الذي وصلنا من إيران والإسلام الموجود في الشرق الأوسط ؟ يجيب مسقاوي أخيرا :»لا يوجد شيء اسمه اسلامان. الحضارة الإسلامية كانت على الدوام دوائر: الدائرة العربية لها منطق والدائرة الفارسية لها منطق والدائر الهندية لها منطق. وغداً عندما يصبح في أوروبا مسلمون يُصبح لدائرتها منطق وهذا شيء طبيعي. «
اوردنا غيضا من فيض أوراق عمر مسقاوي الذي اودعنا عصارة قرن غادرناه، وقرن استهلكنا ربعه.
