خطبة الجمعة من مسجد السلام لأمين فتوى طرابلس وشيخ قرَّائها الشيخ بلال بارودي (السراج المنيرﷺ) إن الحمد لله.
نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره،
ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا.
من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشداً،
ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له،
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله،
وصفيه من خلقه وخليله،
بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة،
وعبد الله حتى أتاه اليقين، صلوات ربنا وتسليماته عليه،
وعلى آله الأطهار، وصحابته الأخيار، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
يقول ربكم جل جلاله:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا}
ثم أما بعد؛
فإن أصدق الحديث كلام الله تعالى،
وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم،
وشر الأمور محدثاتها،
وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة،
وكل ضلالة في النار.
عباد الله،
أيوب المؤمنون الأحرار،
لا زال حديثنا موصولاً بالأسوة الحسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم،
حتى نتعرف عليه أكثر،
فنحبه أكثر،
ونطيعه أكثر،
ونحسن اتباعه أكثر.
فهذا النبي صلى الله عليه وسلم،
الذي أرسله ربه بالهدى ودين الحق،
ليظهره على الدين كله،
هذا النبي الرسول المصطفى،
هو باب السعادة والنجاح،
هو باب الفلاح والنجاح،
هو أس الدين،
لأن الله تعالى جعله
محلاً قابلاً لتلقي الوحي،
وهذا شأن عظيم،
أن يصطفي الله جل جلاله من خلقه
من يؤهله أن يلقى عليه القول الثقيل،
ومن يؤهله أن يبلغ عن الله رسالاته،
ومن يؤهله أن يكون هو المؤتمن
على تبلیغ دين الله تعالى لخلقه.
ولم يشأ الله جل جلاله أن يرسله ملكاً،
إنما جعله بشرياً من جنس البشر،
وعصمه الله تعالى بعصمته،
وعلمه من لدنه علماً،
وشرح صدره، ورفع ذكره، ووضع عنه وزره.
هذا النبي صلى الله عليه وسلم،
تعرفنا عليه في الخطبة الماضية في مثله في أمته ومثله في الأنبياء،
واليوم نتعرف عليه من خلال القرآن،
بما الله جل جلاله وصفه في كتابه.
قال الله تعالى:
{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا * وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا}
وقال في آية أخرى:
{إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا}
إذاً هناك علاقة ينبغي أن تنشأ
بين المرسل والمرسل إليهم،
ليست علاقة محبة فقط،
وليست علاقة إعجاب فقط،
إنما بالأساس،
علاقة إيمان،
لتؤمنوا بالله ورسوله،
فآمنوا بالله ورسوله
والنور الذي أنزلنا.
والإيمان برسول الله
صلى الله عليه وسلم أي التصديق بكل ما جاء به من عند الله،
لأنه المبلغ عن الله،
والله أعلم
حيث يجعل رسالته.
فإذا قال النبي صلى الله عليه وسلم فإنما قال الصادق المصدوق،
الذي ينقل عن الله
بأمانة مطلقة،
ويبلغ عن الله
بدقة متناهية.
فالذي يشكك بما يقول النبي صلى الله عليه وسلم إذ وصلنا بطريق صحيحة، إنما يشكك بالمرسِل لا بالمرسَل،
إنما يشكك بالدين لا بمن بلغنا الدين.
فالله أعلم
حيث يجعل رسالته.
فلذلك من الخطر
أن ينظر الإنسان إلى أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم
أنها قيلت في فترة تاريخية مضت،
وأن عصور الذكاء الاصطناعي (AI)
والتكنولوجيا والتطور
تحتاج إلى خطاب من نوع آخر!
وما علم هؤلاء
أن حاجة الناس
لا تختلف من داخلهم،
مهما تباعدت أزمانهم
أو تقاربت أزمانهم.
فحاجة الإنسان من الداخل:
الأمن،
الاطمئنان،
السعادة،
إزاحة القلق
والاضطراب
عن أسئلته المحيرة،
التي قد تجعل حياته جحيماً،
وتجعل عيشته ضنكاً.
النبي صلى الله عليه وسلم
كفاك هذه المؤنة،
فبلغ عن الله رسالاته،
التي تجعل منك عبداً يعيش حياة طيبة مطمئنة هنيئة هانئة،
وتجعل منك
رجلاً شجاعاً مقداماً جواداً كريماً سعيداً،
وتجعل منك
رجلاً عاقلاً واعياً فاهماً ذاكراً،
لأنك اتبعت
أكمل البشر،
لأنك اتبعت أكمل البشر،
وصدقت
بالرسالة التي اصطفاها الله تعالى لهذا الرسول
صلى الله عليه وسلم. فالإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم هي مفتاح السعادة،
فآمنوا بالله ورسوله
والنور الذي أنزلنا.
فالنبي صلى الله عليه وسلم يبلغ عن الله رسالته،
فإذاً لتؤمنوا بالله،
فالله جل جلاله جعل العلاقة الأساسية التي بيننا وبين هذا النبي: الإيمان.
كما نؤمن بالله رباً،
نؤمن بالنبي صلى الله عليه وسلم رسولاً،
أي عنده رسالة من الله،
ينبغي أن نقرأ ما فيها،
نفهم ما فيها، نطبق ما فيها، نبلغ ما فيها.
هذا معنى أن تؤمن بالله رسولاً،
لا فقط أن تصلي عليه صلى الله عليه وسلم،
ولا أن تمدحه، ولا ولا ولا… بل أن تنتهج نهجه.
لأنه يوم القيامة،
يقول النبي صلى الله عليه وسلم:
«أنا فرطكم على الحوض»، أي أنتظركم على حوض الكوثر،
لأسقيكم من مائه شربة لا تظمأون بعدها أبداً.
فيختلج أناس من دوني،
ناس يريدون أن يأتوا على الكوثر فيذادون، يبعدون،
فأقول: أصيحابي، أصيحابي!
فيقال: إنك لا تدري ماذا أحدثوا بعدك.
انتسبوا إليك
مجرد انتساب لفظي شكلي،
أما في الحقيقة، فأسوتهم عند غيرك،
ومرجعيتهم عند غيرك،
وزعامتهم عند غيرك،
وتلقيهم للأوامر من عند غيرك.
فأنت تمثل لهم لا الكل،
بل تمثل لهم فترة تاريخية يبتهجون بمولدك،
يصلون عليك،
يقرأون أحاديثك،
ولكنهم لا يتبعون سنتك.
فلذلك الله جل جلاله ماذا قال؟ {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}.
فالنبي صلى الله عليه وسلم الذي تركنا عليه هو أمره،
سنته،
الذي يخالفها فقد خالف النبي صلى الله عليه وسلم.
إذاً، أن نؤمن به رسولاً من عند الله.
ثم الله جل جلاله قال له: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا}.
شاهداً
على أنك قد بلغت هذه الرسالة،
وشاهداً على الأنبياء كلهم قبلك،
وتشهد على أعمال أمتك، شاهداً.
ومبشراً للطائعين بالثواب الجزيل،
ونذيراً منذراً للمخالفين بالعقاب الأليم.
فأنت تبشر المؤمنين،
ولكن كذلك تنذر العاصين.
أنت ترغب،
وأنت ترهب.
أنت تحبب،
وأنت تبغض.
لذلك: لا يؤمن أحدكم
حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به.
لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه،
وماله، وولده، والناس أجمعين.
هذه هي حقيقة الإيمان: أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم بالنسبة لك الرقم الأول،
المرجع الأول،
المورد الأول،
المصدر الأول،
القدوة الأولى.
هذا معناه
أنك تتبع النبي صلى الله عليه وسلم وتحب النبي صلى الله عليه وسلم.
شاهداً،
ومبشراً،
ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه.
من الذي عرفنا بالله؟
عقولنا؟ عقولنا أخذتنا أن لهذا الكون إلهاً،
وأن لهذا الكون خالقاً، أما من الذي عرفنا على دين الله؟
على شريعة الله؟ على أوامر الله؟ على ما نهى الله تعالى عنه؟ هو النبي صلى الله عليه وسلم.
هو الذي دعانا إليه:
وداعياً إلى الله بإذنه.
{إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا}.
والداعي هنا هو النبي صلى الله عليه وسلم.
فهو الذي دعانا إلى الله،
هو الذي عرفنا بالله،
بأسمائه، وصفاته، وجلاله، وجماله، وكماله، وآلائه، ونعمائه، هو النبي صلى الله عليه وسلم.
فإذاً هو الذي دعا إلى الله تعالى بإذنه.
ثم ختم هذه الأوصاف
بوصف لم يجعله لأحد قبله ولا بعده:
وسراجاً منيراً.
سراج،
ومنير.
تعالوا فلنتعرف: ما هو السراج؟
وما هو المنير؟
الله جل جلاله قال:
{تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا}.
سراج هذه الدنيا هي الشمس،
والكوكب المنير في هذه الدنيا هو القمر.
ولكن،
أتعلمون أن القمر لا يظهر ضوؤه إلا في الليل؟
والشمس لا غنى للبشرية ولا للحياة عن شعاعها؟
فما ظنك
أن الله جل جلاله
جمع لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم وصف الشمس في نهارها،
ووصف القمر في ليله؟!
فهو الشمس
الذي لا يمكن للحياة أن تستغني عنه،
ولا يمكن للإنسان المسلم أن يستغني عن هديه،
وهو القمر المنير
الذي من خلاله تكشف الظلمات،
وتضمحل المدلهمات،
وتذلل العقبات،
وتسهل الصعوبات،
من خلال هديه. فأنت به تخرج من الظلمات إلى النور،
وأنت من خلال سراجه ترى الحياة على حقيقتها،
وتسلك الطريق الذي تؤدي بك إلى النجاح.
فما أجمل الشمس بشعاعها! ولكنك ترى شعاعها أثراً في نمو الحياة، في استمرار الحياة، في تدفق الحياة.
وهكذا ينبغي أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم في حياتنا؛ لا غنى
للبشرية عن هدي محمد صلى الله عليه وسلم،
ولا تستغني البشرية كذلك عن كشف الشبهات
بطريق النبي صلى الله عليه وسلم.
فهو السراج
الذي يضيء حياتنا،
وهو الكوكب المنير
الذي يزيح من طريقنا الظلمات والشبهات.
فهو السراج،
وهو المنير.
{إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا}.
بالله عليكم!
عندما… وتعرفون الآن الكهرباء، ما شاء الله الكهرباء ما عم تنقطع! ما عم تنقطع الكهرباء ما عم تنقطع!
هذه الكهرباء،
الذي عنده طاقة بديلة،
سواء طاقة شمسية،
أو اشتراك، أو مولد،
عندما تذهب كهرباء الدولة،
التي نسينا أن هناك كهرباء! نسينا أن عندنا كهرباء في البلد!
بنجلاديش،
سريلانكا،
في مجاهيل إفريقيا عندهم كهرباء،
بـ “سويسرا الشرق” ما عندنا كهرباء!
عندما تطفأ الكهرباء،
أول شيء تفعله أنت: إما تضيء بالبطارية،
أو تضيء بالطاقة الشمسية، أو ضوء الاشتراك.
الحالة التي تكون فيها
قبل أن تضاء لك الطاقة البديلة
من طاقة شمسية أو بطارية أو اشتراك،
الحالة التي كنت قبلها وتصبح بها بعدها،
هي حياة النبي صلى الله عليه وسلم فيك.
هي التي تضيء لك طريقك، هي التي تجعلك تطمئن، ترتاح، تسعد، تهنأ.
هكذا ينبغي أن تكون علاقتنا بالنبي صلى الله عليه وسلم، حاجة حقيقية وليست طاقة بديلة،
بل طاقة أصيلة!
فلا ينبغي ولا يستطيع الإنسان أن يستغني عن هديه طرفة عين.
فلذلك الله جل جلاله قال: {وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا}،
لأن هؤلاء المؤمنين سيتبعون نهجك، بشرهم
أن لهم من الله فضلاً كبيراً،
وأن الله تعالى سيرحمهم ببعثتك، وباتباع هديك، فإنهم على طريقك: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}.
فلذلك أيها الأحباب الكرام،
التعرف على النبي صلى الله عليه وسلم لا كشخصية عابرة،
ما في شخصية في العالم
سمح أن يقرأ كل… أن تقرأ كل تفاصيلها إلا شخصية نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.
فشخصية محمد صلى الله عليه وسلم
بارودي في خطبة الجمعة تحت عنوان السراج المنير
