الراعي احتفل بالمئوية الاولى لتطويب الشهداء القديسين المسابكيين في العاقورة: ضبط الحدود بصورة جدية وفاعلة جزء من حماية كل لبنان

ترأس البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، قداساً احتفاليا في كاتدرائية مار جرجس في بلدة العاقورة قضاء جبيل، بدعوة من راعي الابرشية المطران ميشال عون وخادم العاقورة الخورأسقف رزق الله ابي نصر، لمناسبة المئوية الاولى لتطويب الشهداء القديسين المسابكيين،
وفي عظته تطرق البطريرك الراعي الى الشأن الوطني والاقتصادي والاجتماعي في لبنان قائلا: “تضعنا كلمة الرب اليوم: كنتُ جائعًا فأطعمتموني أمام امتحان لا يحتمل المواربة: ماذا نفعل بالإنسان الذي يتألم أمامنا؟ ماذا نفعل بالمحتاج، وبالعائلة التي لم تعد قادرة على تأمين أبسط ضروراتها، وبالشاب الذي يبحث عن عمل ومستقبل، وبالمواطن الذي يشعر كل يوم أن الأعباء تُلقى فوق كتفيه؟ لقد أصبح الوضع الاقتصادي والاجتماعي والمعيشي بالغ القسوة، والمواطن هو الذي يدفع الثمن الأكبر. ترتفع كلفة الحياة، وتزداد الأعباء، وتتراجع القدرة الشرائية، وتضيق فرص العمل، حتى يبدو أحيانًا وكأن أمور الدولة ومشكلاتها تُعالَج على حساب المواطن ومن نفقته.

كلنا مسؤولون أمام الحاجة والمحتاج: الدولة مسوؤلة ومؤسساتها مسؤولة، الكنيسة مسؤولة، أصحاب الإمكانات مسؤولون، المؤسسات الخاصة مسؤولة، والمجتمع المدني مسؤول. علينا أن نتشارك ونتعاون لكي نؤمّن للعائلة ما يحفظ كرامتها، وللمريض حقه في العلاج، وللطالب فرصة التعليم، وللشاب فرصة العمل، وللمسن حياة كريمة. فالجوع ليس جوعاً إلى الخبز وحده؛ هناك جوع إلى العمل، وإلى الأمان، وإلى العدالة، وإلى الشعور بأن الإنسان ليس متروكًا لوحده”.
وتابع: “في مناسبة مئوية تطويب الإخوة المسابكيين، لا يمكن إلا أن نعيد التأكيد على الحضور المسيحي في لبنان والشرق. فهذا الحضور ليس امتيازًا ولا انغلاقًا على الذات، بل مسؤولية ورسالة وشراكة في هذه الأرض وفي مستقبلها. فإنّنا نشهد بيعًا متزايدًا للأراضي، لكننا ندعو بإلحاح إلى عدم التسرع في بيعها، وإلى عدم التفريط بالأرض. فالأرض هي ذاكرة وجذور وهوية ومستقبل. وما نخسره منها اليوم قد لا يستطيع أبناؤنا استعادته غدًا. وبالنسبة إلى هجرة الشباب، فالمطلوب وطن يستطيع فيه الشاب أن يعمل، وأن يؤسس عائلة. وقد شدّد قداسة البابا لاون الرابع عشر على ضرورة الحفاظ على الحضور المسيحي في الشرق، ومساندة أبنائه للبقاء في أرضهم، شهودًا للوحدة والسلام”.
واعتبر ان “ما يجري على الحدود يفرض نفسه اليوم كقضية لا يمكن التقليل من خطورتها. فتكرار محاولات تهريب المتفجرات والسلاح والمواد الممنوعة يكشف أن الخطر ليس نظريًا، وأن أي ثغرة في ضبط الحدود يمكن أن تتحول إلى مدخل لتهديد أمن المواطنين واستقرار البلاد”، مشيرا إلى “ضبط الحدود بصورة جدية وفاعلة هو جزء من حماية كل لبنان”.
وجدد التأكيد أن “حصر السلاح بيد الدولة ومؤسساتها الشرعية هو شرط أساسي لقيام دولة قادرة وعادلة، تتولى وحدها مسؤولية الأمن والسلم. فلا يمكن أن نطالب بالأمان ونقبل في الوقت نفسه بتعدد المرجعيات الأمنية. والدولة التي نريدها ليست دولة قوية على المواطن وضعيفة أمام الفوضى، بل دولة تحمي المواطن، وتضبط حدودها، وتطبّق القانون على الجميع، وتصون السيادة والحقوق من دون استثناء”،
كما اشار إلى انه “لا يكتمل هذا الواجب الوطني من دون العمل الجدي على معالجة الأزمات الاجتماعية والاقتصادية، وإعادة إعمار ما تهدّم، وتأمين عودة العائلات إلى بيوتها وقراها بكرامة وأمان. فلا يجوز أن يتحول التهجير إلى واقع دائم، ولا أن يُترك المواطن وحيدًا أمام الخراب والفقر والخوف”.

وختم: “في هذه المناسبة، تحمل شهادة الإخوة المسابكيين رسالة وطنية وإنسانية تدعونا إلى التمسّك بحرية الإيمان، وصون كرامة الإنسان، ورفض العنف والتعصّب. فكما ثبتوا في إيمانهم حتى الاستشهاد، نحن مدعوون اليوم إلى الثبات في أرضنا، ومواجهة الظلم والحاجة، وتعزيز العدالة والأخوّة والعيش المشترك. ومن العاقورة، أرض جذور الاخوة المسابكيين، نرفع نداءً بأن تبقى ذكراهم دعوةً إلى حماية الإنسان وتثبيته في أرضه، ليبقى لبنان وطنًا للحرية والإيمان والسلام. ونسأل الله أن يجعلنا على مثالهم ثابتين في الإيمان، أمناء للحق، وشهودًا للمحبة في خدمة إخوتنا في حاجاتهم، وللمسيح الملك المجد والشكر مع الآب والابن والروح القدس، الآن والى الابد. آمين”.